حكومة المنصوري ومغاربة العالم: بين الرهان السياسي والامتحان الدستوري.
كتبها: جمال الدين ريان
يُطرح السؤال اليوم بقوة حول مدى قدرة فاطمة الزهراء المنصوري، حال قيادتها للحكومة المقبلة، على الاستجابة لانتظارات أزيد من 5 ملايين مغربي يشكلون مغاربة العالم، وتنزيل المضامين الحازمة للخطب الملكية السامية، وعلى رأسها خطب عيد العرش وذكرى ثورة الملك والشعب، والتي وضعت ملف الجالية في صلب السياسات العمومية للدولة.
1. تنزيل التوجيهات الملكية: من الخطاب الإستراتيجي إلى الإنجاز الحكومي
إن الرؤية الملكية المؤطرة لملف مغاربة العالم لم تعد تحتمل التأجيل أو المماطلة؛ فالخطب الملكية ركزت بوضوح على محورين أساسيين:
* تحديث وتطوير الحكامة المؤسساتية: عبر إعادة هيكلة “مجلس الجالية المغربية بالخارج” وتفعيل “مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج”، لبناء إطار مؤسساتي نجاعي وموحد ينهي حالة التشتت والازدواجية بين القطاعات الوزارية والوكالات.
* تحفيز الاستثمار وحماية المصالح: تبسيط المساطر الإدارية، وتسهيل ممارسات الأعمال للرأس مال الوطني بالخارج، ورعاية حقوق الجالية في دول الإقامة والدفاع عنها.
أي حكومة تقودها المنصوري ستكون مطالبة بتعامل إجرائي ومباشر مع هذه التوجيهات، لكون التنزيل لم يعد خياراً سياسياً بل التزاماً يستند إلى التوجيهات الملكية السامية ذات الصبغة الإستراتيجية.
2. استقلالية وزارة مغاربة العالم: ضرورة حكامة لا خيار هيكلي
على المستوى التنظيمي، ظل ملف الجالية يتأرجح بين وزارة قائمة بذاتها، أو كتابة دولة، أو قطاع ملحق بوزارة الشؤون الخارجية.
إعادة إحياء وزارة مستقلة بذاتها لمغاربة العالم تُعد خطوة جوهرية لتوفير سياسة عمومية واضحة المعالم، تمتلك ميزانيتها الخاصة والآليات الإجرائية الكفيلة بالتعامل المباشر مع قضايا الهجرة، بدل الاستمرار في مقاربة تقنية ملحقة بالدبلوماسية الرسمية. نجاح هذه الخطوة يكمن في منح هذا القطاع صلاحيات تنفيذية حقيقية تتجاوز الدور التنسيقي إلى الدور الإنجازي.
3. الاستعانة بالكفاءات المستوردة: حقائب وزارية ورؤية جديدة
تزخر الجالية المغربية بالخارج بأطر وكفاءات عالية المستوى في مجالات الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والمالية، والصناعات الدقيقة، والطب.
إن انفتاح حكومة المنصوري على استقطاب هذه الكفاءات لتولي حقائب وزارية ومناصب قيادية في المؤسسات العمومية من شأنه أن يحقق عدة مكاسب:
* ضخ دماء جديدة: ضخ تجارب حكامة دولية متطورة في إدارة المرفق العمومي والقطاعات الإستراتيجية.
* تعزيز الثقة: إرسال إشارة سياسية إيجابية للجالية مفادها أن الاستعانة بهم لا تتوقف عند التحويلات المالية، بل تمتد إلى صنع القرار الوطني.
* تفعيل المادة 17 من الدستور: التمهيد الفعلي للمشاركة السياسية والمدنية الكاملة لمغاربة العالم في المؤسسات الوطنية.
يبقى الرهان الأكبر أمام أي تشكيل حكومي بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري هو الانتقال من منطق “الوعود والبرامج الناعمة” إلى منطق “المؤسسات والسياسات الملموسة”.
إن ملف مغاربة العالم لم يعد يقتصر على الخدمات القنصلية والمواسم الصيفية، بل أصبح رافعة أساسية للنموذج التنموي الجديد، وهو ما يفرض جعل تنزيل الخطب الملكية وتعيين أطر الجالية اختباراً حقيقياً لمدى جدية وتحديث الأداء الحكومي.

