قراءات تحليلية في الخطاب الملكي: بين الاعتزاز بالهوية واختبار الدولة التنموية…

قراءات تحليلية في الخطاب الملكي: بين الاعتزاز بالهوية واختبار الدولة التنموية…

بقلم: نادية واݣرار

لا يُقرأ الخطاب الملكي فقط من خلال التوجيهات التي يعلنها، بل و يقرأ أيضاً من خلال الأسئلة التي يطرحها هذا الأخير حول قدرة المؤسسات على تحويل الرؤية إلى واقع حي، والاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة…

 ومن هذا المنطلق، فإن تأكيد الملك اعتزازه بمغربيته وارتباطه بوطنه يتجاوز البعد الوجداني ليحيل إلى معنى أعمق للانتماء الوطني… فالمغرب ليس مجرد وحدة جغرافية أو منظومة مؤسساتية فقط  بل مشروع مشترك يستمد قوته من تماسكه ومن قدرته على استيعاب تعدده  وضمان فرص أكثر إنصافاً للتقدم بين أبنائه ومجالاته الترابية.

 غير أن الاعتزاز بالهوية يكتسب معناه العملي حين يتحول إلى مسؤولية جماعية عن المستقبل، وحين تصبح التنمية معياراً لقياس فعالية المؤسسات وقدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين…

في هذا السياق، تبرز العراقيل التي تحول دون تنفيذ البرامج والمشاريع باعتبارها أكثر من مجرد إشكالات إدارية؛ إنها سؤال في الحكامة وتوزيع المسؤوليات.

فالمعضلة ليست دائماً في غياب الرؤى والاستراتيجيات، بل في المسافة التي تفصل الإعلان عن الإنجاز وفي تداخل الاختصاصات وتعقيد المساطر وضعف التنسيق.

وعندما تتعطل المشاريع أو تتأخر نتائجها، يصبح من الضروري الانتقال من منطق تدبير الإجراءات إلى منطق تقييم الأثر وربط المسؤولية بالمحاسبة…

… فنجاح السياسة العمومية لا يُقاس بما تعلنه من أهداف، بل بما تحققه فعلياً في حياة المواطن.

ومن هنا، تكتسب الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري أهمية تتجاوز الإصلاح المؤسساتي، لأنهما يمسان طبيعة العلاقة بين المركز والجهات، وبين من يحدد الأولويات ومن يتحمل مسؤولية تنفيذها.

فالجهوية ليست مجرد تقسيم ترابي أو مجالس منتخبة، بل هي قدرة فعلية على اتخاذ القرار وتدبير الموارد وتكييف السياسات العمومية مع الحاجات المحلية.

أما نقل الاختصاصات دون توفير الموارد المالية والبشرية اللازمة، أو إبقاء القرارات الحاسمة رهينة مسارات مركزية معقدة، فيجعل الجهة مسؤولة عن نتائج لا تمتلك بالضرورة جميع أدوات تحقيقها.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إحداث المؤسسات فحسب، بل في تمكينها من العمل، وتوضيح اختصاصاتها، ومساءلة المسؤولين عن نتائج أدائهم.

وتظهر أهمية هذا النقاش بوضوح في سوس ماسة، بما تتوفر عليه من مؤهلات فلاحية وسياحية وثقافية وبشرية، وما تواجهه في المقابل من تحديات مرتبطة بالماء والتشغيل والاستثمار والتوازن بين المجالات الحضرية والقروية.

فالسؤال لا يتعلق فقط بحجم المشاريع المعلنة، بل بقدرة الجهة على المشاركة في تحديد أولوياتها التنموية، وتثمين مواردها، وتحويل مؤهلاتها إلى فرص شغل واستثمار منتج. إن العدالة المجالية ليست امتيازاً تطالب به جهة دون أخرى، بل مبدأ يقتضي أن تراعي السياسات العمومية اختلاف الحاجات والإمكانات، وأن تتيح لكل جهة الأدوات اللازمة لتحقيق تنميتها.

 

وفي موازاة ذلك، تفرض رهانات الأمن المائي والغذائي والطاقي، والتصنيع والاقتصاد الرقمي، الانتقال من منطق المشاريع المتفرقة إلى رؤية متكاملة تبني القدرات الإنتاجية، وتطور الكفاءات، وتربط النمو الاقتصادي بتحسين جودة الحياة.

ولا يمكن تحقيق ذلك دون إشراك الشباب في صياغة الحلول والسياسات التي تعني مستقبلهم، والاعتراف بهم باعتبارهم قوة إنتاجية وفكرية قادرة على الإسهام في بناء النموذج التنموي، لا مجرد فئة تنتظر الاستفادة من نتائجه.

إن القراءة السياسية الأعمق للخطاب تضعنا أمام سؤال جوهري: كيف يمكن التوفيق بين وحدة الرؤية الوطنية وضرورة تحرير المبادرة الجهوية؟ فالدولة القوية ليست بالضرورة تلك التي تحتفظ بكل تفاصيل القرار، بل تلك التي تستطيع ضمان وحدة التوجه، وتمكين الجهات من المبادرة، وتوفير شروط الإنجاز، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ولا تعني الجهوية إضعاف الدولة المركزية، بل بناء تكامل مؤسساتي يجعل القرار أقرب إلى المواطن، ويمنح المجالات الترابية قدرة أكبر على تحويل إمكاناتها إلى تنمية فعلية…

في النهاية، لا تُقاس قيمة التوجيهات التنموية ببلاغة إعلانها، بل بقدرة المؤسسات على إزالة العراقيل العراقيل التي أشار إليها جلالة الملك مرارا خلال خطابه …ثم تحويلها إلى التزامات قابلة للتنفيذ والتقييم.

فالهوية الوطنية تمنح المشروع المشترك معناه، والرؤية الاستراتيجية تحدد اتجاهه، والجهوية تتيح تنزيله وفق خصوصيات المجالات، بينما تمنح الحكامة والمحاسبة هذا المشروع أثره الملموس.

وبين الاعتزاز بالمغرب والعمل من أجل تقدمه، تظل المسافة التي ينبغي ردمها هي المسافة بين ما نطمح إليه وما تستطيع المؤسسات إنجازه فعلاً؛ لأن الدولة التنموية لا تُختبر بما تعد به للمستقبل فقط، بل بما تحققه للمواطن في الحاضر…

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*