القصيدة العمودية بين التقعيد والتحديث

القصيدة العمودية بين التقعيد والتحديث
من خلال ديوان :” أسأت لي”
للشاعر إدريس زايدي
بعد إصدار ديوانه ” وجع النخيل” (2015)، يطالعنا الشاعر إدريس زايدي بديوانه الثاني” أسأت لي” ، الصادر عن المطبعة نفسها (مطبعة وراقة بلال سنة 2018.)
ويضم هذا الديوان ستة وأربعين قصيدة تجنح في مجملها إلى ركوب ثلاثة مواضيع يجمع فيها بين تحديد ماهية الشعر ، وأغراض شعرية يأتلف فيها شعر الغزل والشعر السياسي وبعض القصائد التي تروم معارضة الشعراء السابقين، قبل أن يختم بمجموعة من الآراء النقدية حول القصيدة العمودية.ولعل الغاية من هذا العمل، الذي يبدو الهم فيه متعددا والموضوعات كذلك، هي إعادة الاعتبار للقصيدة العمودية،والرغبة في استعادة أمجادها وإحياء بريقها. لهذا الغرض وجدناه يفتتح ديوانه “أسأت لي” بسؤال مركزي مفاده: لماذا القصيدة العمودية؟ محاولا إشراك المتلقي في جانب مثير من جوانب الألق الشعري، وهو السؤال الذي ستتكشف أهمية طرحه لاحقا في مختتم الديوان عبر مجموعة من تصورات الشعراء والنقاد من مختلف الأقطار العربية” (المغرب، تونس، فلسطين، سوريا، السودان.. إلخ.)
في محاولات منهم تحديد مواقفهم، على تباينها، من موضوع القصيدة العمودية. فما القصيدة العمودية؟

يقصد بالقصيدة العمودية تلك القصيدة التي يخضع بناؤها لوحدة الوزن، والبيت والقافية، وبنية متكاملة لا يطالها التجزيء، وغيرها من قوالب الشعر القديم كما تمثل ذلك المعلقات. وأمام صرامة وزن القصيدة العمودية، وعدم ملاءمتها لمقتضيات العصر وقصورها عن استيفاء التجربة الشعرية الجديدة، بدأ الشعراء يفكرون في العمل على تطويرها وركوب تجارب جديدة انتهت بقصيدة التفعيلة. ومن الذين أسسوا لهذه التجربة، وحملوا لواء التغيير الشعراء بشار بن برد ومسلم بن الوليد وأبو نواس، وغيرهم من الذين استحدثوا أشكالا شعرية جديدة ، مناهضة للقصيدة العمودية. يقول الشاعر بشار بن برد في هذا السياق: قد لامني في خليلي عمر واللوم في غير كنهه ضجر
حسبي وحسب الذي كلفت به مني ومنه الحديث والنظر
* * * ويقول أبو نواس: دع الرَّبع ما للربع فيك نصيب وما إن سبتني زينب وكعوب
وبالرغم من تأكيد بعض الشعراء والنقاد على بساطة تحديد القصيدة العمودية من باب اقتصارها على النظم والوزن، فغن البعض الآخر لم يجد بدا من الانتصار لها، والتأكيد على عراقتها وصمودها في وجه رياح التغيير، بل وبقائها دوما سيدة الأجناس الأدبية، ومصدر إلهام لكل الشعراء المحدثين،وأرضية خصبة لمنطلق إبداعاتهم الشعرية اللاحقة. في الوقت الذي عدها آخرون صالحة فقط للموضوعات الحماسية والعاطفية.
أما الشاعر إدريس زايدي فقد نزع ،في تصوره للقصيدة العمودية، منزعا توفيقيا معرفا لها بقوله:”هي القصيدة التي تحيا رغم أنف الذين استوطنوا غير ذات الذات”(1)، قبل أن يعرج على تعريف الشعر بأنه: ” فعل كلي: وزنه وإيقاعه، لغته ومجازه، وبناؤه وهيكلته” (2). وهو التعريف الجامع المانع الذي حاول فيه، دفعة واحدة، أن يجمع بين مقومات القصيدة العمودية ومؤثثات قصيدة التفعيلة. فهل نحن واجدون في هذا التعريف ما يذلل صعوبة الإشكالية الشعرية المطروحة سلفا في فاتحة الديوان؟
فإذا كان الشعر،كما عرفه أهل اللغة، بأنه” كلام موزون مقفى دال على معنى” ، فإنه في تصور المحدثين عبارة عن كلام يعتمد الإيقاع، مجسدا حالة صوفية يتأرجح فيها التأمل والحلم ، وتتداخل فيه المشاعر الرومانسية والألم الواقعي ” (3)، في الوقت الذي يعرفه الشاعر محمد الفيتوري بقوله:
تعلمت أن الشعر. أن يذهب الفتي عيدا ويبقى بعده كل ما غنى
إن إدريس زايدي، وهو يطرح السؤال القديم- الجديد: لماذا القصيدة العمودية؟ إنما ينحو منحى تبني إعادة طرح موضوع يكتسي حساسية مفرطة في مجال الأدب والنقد.
فهل تعد هذه العودة/الدعوة ارتدادا على ما راكمه جهابذة الأدب والنقد من جهود قعدت للشعر، وسمت باللغة حد الفصاحة والبيان؟
وضمن هؤلاء المتقدمين نذكر على سبيل الحصر ابن سلام الجمحي،وابن قتيبة، والمرزوقي وابن طباطبا وغيرهم ممن أضفوا على القصيدة العمودية مسحة التقديس. يقول ابن قتيبة في صرامة نقدية لا تقبل المهادنة، رافضا أي إمكانية للخروج عن عمود الشعر :”ليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام”. (4)
قراءة العنوان:
يثير عنوان الديوان “أسأت لي” فضولا نقديا ضاغطا يستوجب بالضرورة توقف القارئ عنده، ومساءلة طريقة تركيبه وبنائه . ذلك أن لفظ “أسأت” المشتق من مصدر الإساءة يعني تجاوز الحد في معاملة الآخرين بالسوء . وأساء الشخص للشخص إذا أتى بالقبيح من القول أو الفعل في حقه مما تمُجُّه الأخلاق ولا يجوِّزه منطق عاقل. وألفاظ أساء له وأساء إليه وعليه، وأساء الظن فيه وبه كلها تفيد نفس المقصد ونفس المعنى. فهل يفيد فعل “أسأت” الوارد في العنوان نفس معنى التعدي والاعتداء ، فتنسحب الإساءة بالتالي على الفعل ومنشئه أو الذات التي صدر عنها؟ أم أن فعل الإساءة هذا يمكن أن يطال الذات الفاعلة ، وما ينبغي لها.
فأن يسئ الإنسان إلى الذوات الأخرى، بالرغم من منافاة الفعل للأخلاق ، أمر وارد في الأدب العربي ، كما سار على ذلك المتنبي عندما هجا كافور الإخشيدي قائلا:
لا تشتر العبد إلا والعصا مـعــــه إن العــبـيد لأنجاس مـناكـيـد
ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن يسيئ بي فيه عبد وهو محمود
أو ما سبق في شعر النقائض ذي النزعة التعصبية لدى الأخطل والفرزدق وجرير وغيرهم.
أما أن يسيئ لإلى نفسه ، سواء عن وعي أو غير وعي ،فأمر مستبعد وغير مستساغ البتة . هنا،وهنا فقط،تكون الإساءة لإليّ جرما واعتداء عليها ،سواء بالقول كما فعل الحطيئة عندما هجا نفسه قائلا:
أرى لي وجها قبح الله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله
أو كما حصل لأبي العلاء المعري عندما فضل الاعتزال في بيته حتى لقب برهين المحبسين. وقد تكون الإساءة للنفس في أقصاها بالإقدام على الانتحار كما فعل الشاعران فلاديمير ماكيوفسكي وخليل حاوي وغيرهما .. فأن يقبل الإنسان على فعل الإساءة ، كما في اعترافات إدريس زايدي، إنما يعد ضربا من جلد الذات كتكفير عما صدر عنه من ذنوب وآثام، والتي يدرك الشاعر كنه فعله وحقيقة أسبابه ومسبباته . ولعل ثقل الإساءة وشساعة دوائرها سيدفع الشاعر في “مقام الإساءة” من قصيدة:” إبراقات” إلى الحديث عنها قائلا :” أسأت لي،ولي أسأت، وساء حال ما رأيت… رأيت ما رأيت” (5 )، حيث يتعلق الأمر، في هذا المقطع بإساءتين اثنتين لا ثالثة لهما:
ا – “أسأت لي ولي أسأت” كإساءة أولى ، تضاعفت برحاؤها جراء عشق متمكن. يقول شاكيا مستملحا هنيهاته مهتبلا فرص الاستمتاع:
قبل العناق، لها وهبت دمي أسمـيـتـه حـلا ومـرتـحـلا
نادمـتهـا ليلا فتــوقـظـني فجرا بيوسُفِها، كفرتُ بلا (6)
* * *
حللنا مكانا ما المكان بمعجب ويعجب أن ليس المحلة مَعدَما(7)
عشيقين نعرى للإله وقصدنا سلاف السُّرى إن أسعف العشق مغرما شقراء أحملها، سمراء في سفني جننت بينهما، والبحر لم يجِر(7)
* * * ترجَّع الصوت صوتي والهوى عجب إن غاب عني سفور الذنب والخطل(8)
قبل ان يقلع عن معتاد إساءته قائلا: أبعدتُ عني ذنوبا كنت أعشقها وسامني عاشق في مهمَهِ النُّضُم(9)
ب – أما الإساءة الثانية فذات طابع سياسي، مصادرها مشاهد وشهود، متعددةُ مَظاهر المعيش وأشكاله، ممتدة في الزمان والمكان حتى أضحى ربيع حياة العرب بموجبها خريفا. يقول في بعض من تمظهراتها:
كأن الفصول صَنعن ربيعا وجاء الخريف بأهلي مُريعا (10)
* * *
فاقتل حصانك إن الركب قد نزحوا ما عاد قائده يسمو على البطل
كلٌّ رمى السيف للأعداء ينجُره والغمد يشكو رُوَاء النجع والبلل(11)
يستنتج أن الإساءة،لدى الشاعر زايدي، ذات ضربين : ضرب من فعل الشاعر ،دافعه في ذلك حبه وعشقه لإشباع نزواته، وضرب يعود إلى تساقط أوراق خريف الأمة وما آلت إليه من سوء الأحوال.
وتبقى القصيدة العمودية التي تحمس الشاعر للعودة إليها والنبش في غياهبها تكتسي طابعا حداثيا .فهي التي نتلمسها في مجموعة من المعارضات ، كمعارضة قصيدة الشنفرى وموشحات ابن سهل وقصيدة عنترة والتي تبدو آثارها بادية في الوزن واستعمال البحور الشعرية كالبسيط والطويل وما تقتضيه من زحافات وعلل. لقد ساهم الشاعر إدريس زايدي ضمن الشعراء المحدثين في تطوير القصيدة العمودية وطبعها بطابع حداثي ، في منه محاولة للجواب عن سؤال الافتتاح: “لماذا القصيدة العمودية؟ وهو السؤال الذي أراد أن يشرك المتلقي في الإجابة عنه أي أن الأمر يتعلق، بالنسبة إليه، بإحيائها وتحديثها من خلال تطوير الأدوات الشعرية بما فيها اللغة والصورة والخيال والفكر،وتنويع الإيقاعات، مبقيا في الآن نفسه على كثير من مقومات موسيقى الشعر العمودي ، إيمانا منه بأن الشعر يجب أن يحمل رؤيا، وأن يواكب تحولات العالم. وبإساءات الشاعر لنفسه يكون قد جمع في ديوانه بين تصالح الذات مع الذات ، وتصالحها مع الواقع من خلال ركوب موجة جديدة تمكن من إقامة جسور تربط القصيدة العمودية بقصيدة النثر؟

د. عمرو كناوي.
تقدمنا بهذه الة
الإحالات:
1- إدريس زايدي.”أسأت لي” مطبعة وراقة بلال .الطبعة الأولى 2018 ، ص: 3
2- إدريس زايدي. ” أسأت لي”، ص: 40
3- منير مزيد. مفهوم الشعر وماهيته. مجلة الأدبية.2009
4- ابن قتيبة. الشعر والشعراء. ص:75-76
5- “أسأت لي. ص: 11
6- أسأت لي. ص: 23
7- أسأت لي. ص : 20
8-أسأت لي.ص : 18
9- أسأت لي . ص: 53
10- أسأت لي . ص:
11- أسأت لي . ص:

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*