فنجان بدون سكر:
“صرخة قبل الغرق: رسائل التقدم والاشتراكية التي خانها الزمن والحكومة”
بقلم عبدالهادي بريويك
في خضم هذا الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي المتزايد، تبرز اليوم من جديد مضامين رسالتين سياسيتين وجّههما حزب التقدم والاشتراكية إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الأولى بتاريخ 27 مارس 2023 والثانية بتاريخ 27 مايو 2024.
آنذاك، قد يكون البعض تعامل مع الرسالتين كحركات معارضة معتادة، لكن مجريات الأحداث خلال الشهور الماضية تجعل منهما اليوم وثيقتين سياسيتين تنبؤيتين، أشبه بنداءي استغاثة مبكرين لم يُصغ إليهما.
ما كان الحزب يُحذر منه في الرسالة الأولى بشأن موجة الغلاء المهولة، وانسحاب الدولة من حماية القدرة الشرائية، بات اليوم واقعاً خانقاً يعيشه المواطن المغربي يومياً. أسعار المواد الأساسية تواصل الارتفاع في غياب تدخل فعّال، والطبقات الهشة والمتوسطة تنزلق بسرعة نحو حافة الفقر، بينما تكتفي الحكومة بمراقبة الأوضاع من بعيد، وكأن مسؤوليتها تنتهي عند حدود التصريحات المطمئنة والخطابات المتفائلة.
صمت الحكومة الذي انتقده الحزب حينها تحول في الوقت الراهن إلى نوع من اللامبالاة الممنهجة، في لحظة وطنية تتطلب أقصى درجات اليقظة السياسية والاجتماعية.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن الرسالة الثانية التي صدرت في مايو 2024، والتي تضمنت نقداً صارخاً لحصيلة الحكومة، تكشف اليوم عن وعي مبكر بالاختلالات البنيوية التي تعيشها البلاد. معدلات البطالة في تصاعد، والشباب المغربي يعاني من انسداد أفق غير مسبوق، حيث أضحى أكثر من 4 ملايين شاب خارج أي منظومة إنتاج أو تكوين. الاستثمارات تراجعت بشكل مقلق، والمقاولات الصغرى والمتوسطة تنهار واحدة تلو الأخرى، دون أن تحظى بأي التفاتة حكومية حقيقية. كل المؤشرات التي ساقها الحزب في تلك الرسالة لم تلقَ الرد المناسب، بل واجهتها الحكومة بخطاب إنجازات منفصل عن الواقع.
وفي ظل هذا الانهيار التدريجي للثقة، ليس فقط في السياسات، بل في جدوى المؤسسات، يطفو على السطح ما نبه إليه الحزب في الرسالتين: الأزمة لم تعد اقتصادية واجتماعية فقط، بل أصبحت أزمة سياسية وديموقراطية بامتياز.
الحياة السياسية تعيش ركوداً غير مسبوق، الأحزاب فقدت حضورها في الفضاء العام، حرية التعبير والنقاش العمومي تراجعت بشكل مقلق، ولم تُسجل الحكومة أي مبادرة ملموسة لإعادة الروح للمسار الديموقراطي الذي لم يعد يقنع حتى الفاعلين المنخرطين فيه.
في ظل هذا الوضع المعقد، يبقى الأشد خطراً هو استمرار الحكومة في اعتماد خطاب متعالٍ على الواقع، يفتقد للجرأة في الاعتراف بالإخفاقات. ما اعتبره الحزب في رسالتيه “غروراً سياسياً” و“رضى زائفاً عن الذات”، ما يزال حاضراً، بل يزداد رسوخاً مع كل محطة حكومية، حتى في غياب أي إنجاز فعلي يمكن أن يُحدث فارقاً في حياة الناس.
إن العناد السياسي والتقني الذي يطبع أداء الحكومة اليوم يفاقم الأزمة، ويعجّل بتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، في ظرفية وطنية دقيقة لا تحتمل مزيداً من الانفصال عن نبض الشارع.
من هنا، لا يمكن التعامل مع رسالتي حزب التقدم والاشتراكية إلا باعتبارهما وثيقتين سياسيتين وجب إحياؤهما لا من باب التأريخ، بل كمنطلق عملي لاستدراك ما يمكن إنقاذه. لقد وُجهت الرسالتان في الزمن المناسب، وبالمنطق المناسب، لكن التجاهل السياسي حولهما إلى جرس إنذار لم يرنّ في وقته. والآن، وقد بلغ الاختناق الاجتماعي مداه، وصار الإحباط الجماعي عنوان المرحلة، فإن الوقت ما يزال يسمح – بشق الأنفاس – للعودة إلى تلك المضامين الجريئة، كمفتاح لبداية تصحيح المسار، قبل أن تُقفل نوافذ الإصلاح نهائيًا.
ولو فيما تبقى من الوقت الضائع
