حين اختلّت البوصلة: أزمة قيم في زمن السرعة

فنجان بدون سكر:

حين اختلّت البوصلة: أزمة قيم في زمن السرعة

بقلم عبد الهادي بريويك

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتضيع فيه المعاني خلف الواجهات اللامعة، بات من المؤلم أن نرى كيف تغيّرت نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى الآخر.

لم يعد يُنظر إلى الرجولة على أنها مسؤولية وشهامة وخلق، بل صارت تقاس بسماكة المحفظة وعدد الأصفار في الرصيد البنكي.

ولم تعد الأنوثة نضجًا وحنانًا وعقلًا راجحًا، بل اختُزلت في معايير جسدية لا تصمد أمام أول عاصفة زمن. 

نحن نعيش في زمن الجوعَين: جوعٌ جنسيّ لدى بعض الذكور، لا تحركه عاطفة ولا تقوده نية بناء، بل شهوة عابرة لا تعترف بشيء سوى اللذة، وجوعٌ ماديّ لدى بعض الإناث، يبحث عن رجل لا كرفيق درب، بل كطوق نجاة ماليّ مؤقت. 

في هذا المشهد المقلوب، فقدنا العمق واحتفلنا بالسطح، وصرنا نُقيّم الإنسان بما يملك لا بما يكون، ونتعامل مع العلاقات كبضائع تُعرض وتُستهلك، لا كروابط تبنى وتُصان. المظاهر أصبحت كل شيء، والجوهر غاب، والقلوب التي كانت نقية ولو أن أصحابها يلبسون ثيابًا متسخة، استُبدلت اليوم بقلوب ملوثة تُغلّفها أناقة زائفة وثياب معطرة. 

هذه ليست دعوة إلى جلد الذات أو بثّ السوداوية، لكنها صرخة وعي، لنقف لحظة ونتأمل: متى اختلّت بوصلة الأخلاق؟ متى صرنا نربّي أبناءنا على الطموح المادي قبل أن نغرس فيهم قيمة الصدق والأمانة؟ متى صارت الفتاة تتعلم كيف تثير الإعجاب لا كيف تُبنى شخصيتها؟

ومتى أصبح الشاب يعتقد أن قيمته في ماركة حذائه أو نوع سيارته لا في فكره وموقفه ومعدنه؟ نحن لا نعيش أزمة اقتصاد فقط، بل أزمة تربية ووعي وأخلاق. الأزمة بدأت حين غابت القدوة، وانشغل الوالدان عن غرس المبادئ، وحين صار الطفل يتلقى تصوراته عن الحياة من هاتف ذكي لا يفرّق بين الفضيلة والسطحية. 

الدرس الذي يجب أن نتعلمه أن المال يزول، والجمال يذبل، والمظاهر تخدع، أما القيم فتبقى، وتربية القلب والعقل هي الضمان الوحيد لمجتمع سويّ ومتوازن.

الرجوع إلى الأصل ليس ضعفًا ولا تخلفًا، بل هو الحل، وهو الطريق إلى إنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا.

العودة إلى التربية الحقيقية، التي تُعلّم الطفل منذ الصغر أن الرجولة مواقف لا مظاهر، وأن الأنوثة عقل ونبل لا تجميل مبالغ فيه، هي السبيل الوحيد للخروج من هذا التدهور القيمي.

نحتاج إلى ثورة داخل البيوت، ثورة هادئة تعيد للأب دوره، وللأم مكانتها، وللأسرة حرمتها، وللدين روحه الجميلة التي تدعو إلى الكرامة والاحترام لا إلى القشور والمظاهر. المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل من الداخل حين تضعف المناعة الأخلاقية. وإذا أردنا أن نمنع هذا الانهيار، فعلينا أن نبدأ من حيث تبدأ كل الحضارات العظيمة: من داخل الأسرة، من ضمير حي، وتربية واعية، وقدوة تمشي بيننا لا تكتفي بالكلام.

وحدها الأخلاق قادرة على إعادة الاتزان لعالم فقد بوصلته.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*