*الإعلام العربي بقبضة المال القطري.. من دعم المنصات إلى هندسة الرأي الجماعي*

*الإعلام العربي بقبضة المال القطري.. من دعم المنصات إلى هندسة الرأي الجماعي*

 

*فيصل مرجاني*

 

ما إن تكشف أولى خيوط المشهد الإعلامي العربي حتى تتجلى ملامح مشروع قطري عميق ومُتقن، ينسج خريطة نفوذٍ خفيٍّ تُعيد تشكيل الرأي الجماعي وتسيطر على حدود الممكن والمتاح داخل وعي المجتمعات العربية.

ويتّضح هذا المسار أكثر بعد أحداث السابع من أكتوبر والحرب الإسرائيلية ضد حماس وحزب الله وأذرع إيران الإقليمية، ثم الضربات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة خلال الأسبوع الماضي داخل العمق الإيراني، التي أضافت بُعدًا تصعيديًا خطيرًا إلى المشهد وأعادت رسم خريطة الصراعات والأولويات الإعلامية والسياسية بالمنطقة.

 

إنّ آليات التدخّل الإعلامي القطري لا تعمل من فراغ، بل تستند إلى قراءة معمّقة لبنية المشهد العربي من جهة، وإدراك واقعي لنقاط ضعفه من جهة أخرى. وعليه، استثمرت الدوحة مواردها المالية الهائلة من أجل اقتحام المنابر الإعلامية المسموعة والمرئية والمكتوبة، كما أدمجت مؤثرين رقميين وصنّاع محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي ضمن منظومتها التوجيهية.

هذا النسق المتكامل أتاح لها احتكار مساحات واسعة من الخطاب الإعلامي العربي، وتحويله إلى أداة مهيمنة قادرة على رسم حدود النقاش وتوجيه الرأي العام.

أما بخصوص، الدقة القانونية التي يُفترض أن تؤطّر فضاء الإعلام لم تجد سبيلها إلى التطبيق الجادّ في العديد من الدول العربية، ما أفسح المجال أمام المال السياسي لفرض منطق الهيمنة على وسائل الإعلام.

وعندما يُوظّف هذا المال من طرف دولة ذات أجندة دبلوماسية وإقليمية شديدة التعقيد، فإنّ النتيجة لا تنحصر في مجرّد التأثير السطحي على توجهات المشاهدين والمتلقّين، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة هندسة المشهد الثقافي والإيديولوجي داخل المجتمعات العربية وتكريس مقولات لا تخدم سوى مصالح قطر وحلفائها الاستراتيجيين، وعلى رأسهم النظام الإيراني وأذرعه الإقليمية التي تجد لنفسها منابر وأصواتًا مدعومة من قطر تُضفي على ممارساتها ثوبًا من المشروعية الإعلامية.

في هذا الإطار، تحضر فلسفة الخطاب الإعلامي القطري المزدوج، حيث يتم توظيف الشبكات الإعلامية لتبني سرديات تُظهر قطر على أنّها طرف معتدل وفاعل دبلوماسي نزيه، فيما تُسخّر ذات الأدوات لنقل مواقف إيرانية مغلّفة بأطر خطابية منسجمة ظاهريًا مع القضايا العربية، لكنها تخفي في جوهرها مشروعًا تقويضيًا للمنظومات الأمنية الإقليمية. ويتجلّى ذلك بوضوح بعد السابع من أكتوبر والحرب الإسرائيلية على حماس وحزب الله وأذرع إيران، ثم الضربات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة داخل إيران، إذ أظهرت وسائل الإعلام القطرية اصطفافًا دقيقًا يركّز على إدانة إسرائيل وتغافل أدوار إيران وأذرعها، ما يكشف عمق التشابك بين أجندة الدوحة وطهران على صعيد إدارة الرأي العام العربي.

ما يزيد من خطورة هذا المشهد أنّ الإعلام، بما له من قدرة على توجيه المشاعر وتشكيل القناعات، بات يُمارس سطوته على مساحات واسعة من الرأي العام من دون رقابة حقيقية من المؤسسات التشريعية والأمنية المختصة.

وهكذا تنجح الدوحة، من خلال استثماراتها الضخمة وتموضعها داخل المنظومة الإعلامية العربية، في أن تكون طرفًا فاعلاً في إعادة إنتاج الحقائق وتسييس الخطاب الجمعي، وفي ذات الوقت التغطية على سياساتها البراغماتية التي لا ترى تناقضًا بين دعم قوى تقوّض استقرار المنطقة من جهة، وتقديم نفسها كراعٍ للوساطات والحلول من جهة أخرى.

من الناحية القانونية-السيادية، يشكّل هذا الاختراق الإعلامي الممنهج تجاوزًا صارخًا للحدود التنظيمية التي من شأنها صيانة استقلال الإعلام، إذ يجري توجيه المشهد الإعلامي لخدمة دولة أجنبية وأجندتها، ما يُضعف مناعة المجتمعات العربية أمام التدخّلات الخارجية، ويعزز مناخًا من التضليل والخضوع لسرديات مصمّمة سلفًا لخدمة سياسات الدوحة وشركائها الإقليميين، وعلى رأسهم إيران. وهذا التشابك بين الأجندة القطرية والإيرانية يتجاوز حدود التأثير التقليدي ليطال عمق الرأي العام العربي، إذ يُعاد توزيع الصورة النمطية عن المحاور الإقليمية المتصارعة، وتُرسم تحالفات وهمية ومواقف مصطنعة تجعل من التدخّل الإيراني فعلًا مبررًا باسم المقاومة، بينما يُقدّم النقد الموضوعي لهذه التدخّلات على أنّه استهداف لخيار الشعوب.

إنّ تراكم هذه الديناميات بعد السابع من أكتوبر وتداعيات الحرب الإسرائيلية على أذرع إيران، وصولًا إلى الضربات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، يفضي إلى انكشاف الأمن الإعلامي العربي برمّته أمام سطوة المال والأيديولوجيا العابرة للحدود. ويتّضح الأمر أكثر بالنظر إلى أن وسائل الإعلام أصبحت ميدانًا تُمارَس فيه القوة الناعمة لخدمة مشروع إقليميّ منسّق بدقة، حيث لم تعد المنابر الإعلامية مجرّد أدوات لنقل الخبر، بل أضحت مؤسسات لإنتاج الحقائق كما يُراد لها أن تكون، وتوجيه وعي الرأي العام العربي بما يتّسق مع الحسابات الاستراتيجية للدوحة وطهران وأذرعهما الإقليمية.

في المحصّلة، لم يعد بوسع المراقب المنصف إنكار أنّ الاستراتيجية القطرية المستندة إلى هيمنة إعلامية واسعة أضحت واقعًا قائمًا، خصوصًا بعد أن أفرزت أحداث السابع من أكتوبر والحرب الإسرائيلية على حماس وحزب الله وأذرع إيران، ثم الضربات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، واقعًا إعلاميًا مُسيّسًا وموجَّهًا بعناية لخدمة مصالح قطر وشركائها.

وإنّ مواجهة هذا الاختراق الإعلامي تتطلّب مقاربة مؤسسية صارمة، قائمة على تحديث التشريعات الإعلامية، وتعزيز آليات الرقابة، إلى جانب بناء وعي جماعي حصين تجاه سطوة التدخّلات الخارجية، بما يعيد ترسيخ الإعلام العربي كفضاء وطنيّ حرّ ملتزم بالمعايير المهنية ومتحرّر من سطوة المال المُسيّس والأجندات العابرة للسيادة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*