تمثلات المعلم في المخيال الاجتماعي المغربي:
قراءة سوسيولوجية نقديّة حول الجاذبية الزواجية
الجزء الثاني
يعد الزواج، من منظور إرفينغ غوفمان، أحد المؤسسات الاجتماعية التي تعيد إنتاج الاعتراف الرمزي للفرد داخل المجتمع، حيث لا ينظر إلى اختيار الشريك/ة بوصفه قرارا فرديا فقط، بل باعتباره تموضعا داخل شبكة من الرموز الثقافية ومعايير القبول الاجتماعي.
فالفرد يسعى من خلال الزواج إلى تثبيت مكانته ضمن منظومة القيم المجتمعية، مما يجعل الاختيار الزواجي امتدادا لهويته الرمزية.
في السياق المغربي المعاصر، وبخاصة ضمن الطبقات الوسطى الصاعدة، لوحظ تراجع في الرغبة في الزواج من المعلمين والمعلمات، وهي ظاهرة تعكس تحولات عميقة في تمثلات الفئات الاجتماعية لمهن المعرفة والعمل العمومي. هذا التراجع لا يعبر فقط عن تغير في الأذواق، بل عن تحول في بنية الاعتراف الاجتماعي.
ويمكن تفكيك ذلك من خلال ربط المهنة بـالفقر الرمزي والتقشف المعيشي، إذ ينظر إلى المعلم بوصفه غير قادر على مواكبة متطلبات الحياة الاستهلاكية الجديدة، وهو ما يفقده جاذبيته الزواجية في مجتمع يربط الجدارة الزوجية بالقدرة على الاستهلاك والرفاه. تمثل اجتماعي متنام يرى في المعلم شخصا منهكا أو محبطا، حيث أدت ظروف العمل المتدهورة، وضعف الأجر، وتدهور صورة المدرسة العمومية إلى تحويل المعلم إلى رمز للجمود والانكسار، بدلًا من أن يكون نموذجا للترقي الاجتماعي كما كان في الماضي. في مقابل الصورة النمطية حول المعلمة المتسلطة أو غير المتفرغة، والتي تستثمر في الخطاب الاجتماعي والإعلامي، وتعيد إنتاج صور سلبية للمرأة العاملة في حقل التعليم، بوصفها مشغولة دائما أو فاقدة للأنوثة التقليدية، مما يقوض مكانتها في الخيال الزواجي الجمعي.
من خلال هذه التمثلات، لا يعد الزواج فقط علاقة عاطفية أو أسرية، بل يتحول إلى فضاء لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية والرمزية. فاختيار الشريك/ة يتم وفق موقعه في الحقول الاجتماعية (بتعبير بورديو)، لا فقط وفق صفاته الفردية. وهكذا، يقصى المعلم لا لذاته، بل باعتباره عضوا في فئة اجتماعية فقدت جاذبيتها الرمزية، داخل منظومةٍ تعلي من قيمة المهن الربحية والمظاهر المادية.يعيد هذا المنطق إنتاج ما يمكن تسميته بـالهامشية الزواجية، أي تحويل فئة اجتماعية بأكملها إلى طرف غير مرغوب فيه في سوق الزواج، بسبب خطابات مجتمعية تفرغ المهنة من رمزيتها وتنتج صورا سلبية ترسخ التحيز والتمييز.
إن تراجع الرغبة في الزواج من المعلم/ة ليس مجرد تحول في الأذواق، بل مؤشر على تحولات أعمق في بنية الاعتراف الاجتماعي بالمهن والطبقات.
وحين يربط المعلم بـالضعف أو الفشل، فإن الأمر لا يخص شخصه بل المكانة الرمزية للمهنة ككل. وفي ذلك تشخيص دقيق لأزمة الاعتراف الاجتماعي التي يعيشها التعليم العمومي داخل مجتمع يعاد تشكيله بقيم السوق، ويعيد ترتيب سلم المكانات الرمزية على أساس الاستهلاك لا الرسالة.هنا نستدعي مفاهيم فوكو حول إنتاج الخطاب، حيث تعاد صياغة صورة المعلم داخل أنظمة رمزية تعيد قولبة الهوية بشكل قسري، مما يضعه في موقع الهامش ضمن سوق الزواج، لا باعتباره فردا، بل كـفئة اجتماعية.
في تحليله للعلاقات الاجتماعية، يؤكد إرفينغ غوفمان أن الزواج لا يبنى فقط على العاطفة أو التوافق الشخصي، بل يمارس ضمن لعبة الهوية الاجتماعية، حيث تنتقى العلاقات وفق رموز القبول الثقافي والمكانة الرمزية. وبهذا المعنى، يعد الزواج آلية تثبيت للاعتراف، يمنح من خلاله الفرد شرعية ضمن الحقل الاجتماعي، ويؤكد انتماءه لهوية مقبولة اجتماعيا.
غير أن هذا الاعتراف، في السياق المغربي المعاصر، يشهد تراجعا واضحا تجاه فئة المعلمين والمعلمات، خصوصا ضمن الطبقات الوسطى الصاعدة، التي باتت تعيد ترتيب تفضيلاتها الزواجية وفق معايير النجاح والمكانة والقدرة الاستهلاكية. وتشير المعطيات الميدانية والقراءات الثقافية إلى تناقص رمزية المعلم/المعلمة كشريك/ة زواجي/ة مرغوب/ة، وذلك لأسباب متعددة منهل ربط المهنة بالفقر الرمزي والتقشف المعيشي، وهو ما يحول المعلم إلى نموذج لما يسمى بالرأسمال المستهلك أو الضعيف في السوق الرمزية. إنه تصور اجتماعي متنام يوسم المعلم بـالإنهاك أو الإحباط، مما يضعف جاذبيته العاطفية والاجتماعية. ما أدى إلى تصاعد الصورة النمطية حول المعلمة المتسلطة أو غير المتفرغة، بما يجعلها أقل مطابقة للتمثلات النمطية للأنوثة في المتخيل الجمعي المغربي.
في هذا السياق، تصبح صورة المعلم/ة موضوعا لآلية رمزية تتجاوز الفرد لتطال الفئة المهنية ككل، وهنا يمكن استحضار أدوات ميشيل فوكو، لاسيما مفهومه حول إنتاج الخطاب، حيث لا تنتج التمثلات الاجتماعية بصورة عفوية، بل تبنى داخل أنظمة معرفية/مؤسساتية تعيد قولبة صورة المعلم. هذا الخطاب – الذي يتجلى في الإعلام، والنكات، والتمثلات الأسرية – يمارس شكلا من أشكال السلطة الرمزية التي تقصي المعلم من مركز التقدير، وتدفع به نحو الهامش الزواجي، لا باعتباره شخصا بذاته، بل بوصفه ممثلا لفئة اجتماعية فقدت بريقها الرمزي.
يمكن فهم هذا التحول في ضوء مفاهيم بيير بورديو حول الحقول الاجتماعية، حيث لم يعد الحقل الزواجي قائما على الحب وحده، بل أصبح سوقا تتحدد فيه القيمة وفق الرأسمال الرمزي والثقافي والاجتماعي.
وعندما يتعرض المعلم لفقدان هذا الرأسمال، يعاد تصنيفه ضمن فئة ضعيفة الجدوى زواجيا، ما يعمق من أزمته الهوياتية والاجتماعية.
التمثلات السلبية لا تعكس الواقع المهني بقدر ما تنتج كخطابات هيمنة رمزية، تقصي فئات بعينها وفق منطق القوة الرمزية لا الجدارة الفردية.
وهنا نشهد تراجع الرغبة في الزواج من المعلمين مؤشر خطير على تحول القيم المجتمعية، حيث تغيب الاعتبارات الرسالية والمجتمعية لصالح منطق السوق والمردودية. في ظل سياسات التقشف الرمزي والاقتصادي، يتحول المعلم المغربي من فاعل تربوي إلى “فئة اجتماعية مهمّشة” ضمن سوق الزواج، ليس بسبب اختياراته الفردية، بل نتيجة خطابات قسرية تنتجها السلطة الرمزية والثقافية وتكرس موقعه في الهامش بدل المركز. وبهذا، تصبح أزمة المعلم ليست فقط أزمة أجر أو ظروف، بل أزمة تمثل واعتراف في آن.وهو ما يفسره أكسل هونيث من خلال مفهوم الاعتراف الاقتصادي، حيث يعتبر أن غياب التقدير المادي يمس بجوهر الكرامة الفردية ويضعف الشعور بالقيمة الذاتية، مما يؤثر على علاقة المعلم بذاته وبمحيطه.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

