الشباب وثقافة الشارع في المغرب: تعبير عن الذات أم انعكاس لأزمة؟

الشباب وثقافة الشارع في المغرب: تعبير عن الذات أم انعكاس لأزمة؟

 

بقلم : نبيل ولدالداغرية 

 

في السنوات الأخيرة، أصبحت ثقافة الشارع من أبرز الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالشباب المغربي، خصوصاً في الأحياء الشعبية والمدن الكبرى. لم تعد هذه الثقافة مجرد موضة عابرة أو تجلٍ عفوي لسلوك شبابي، بل تحولت إلى منظومة متكاملة من الرموز والقيم والأنماط التعبيرية التي تشكل لغة مشتركة بين فئات واسعة من الشباب، وتعكس في العمق تحولات المجتمع المغربي، وتوتراته أحياناً

ـ مظاهر متعددة ومجالات تعبيرية متنوعة

تتجلى ثقافة الشارع في المغرب من خلال مجموعة من الأشكال التعبيرية، على رأسها موسيقى الراب، التي أصبحت لسان حال جيل جديد يعبر عن همومه اليومية بلغة حادة ومباشرة، تحمل في طياتها مواقف اجتماعية وسياسية واضحة. إلى جانب الراب، تبرز فنون الشارع مثل الغرافيتي، الرقص الحضري، الـ”فريستايل”، والفيديوهات الساخرة المنتشرة على شبكات التواصل.

كما تشمل ثقافة الشارع نمط اللباس، طريقة الكلام، الميولات الفنية، وحتى المواقف من السلطة والأسرة والدين. وغالباً ما تُعبّر عن رفض للواقع أو نقد له، لكنها أيضاً تعكس بحثاً عميقاً عن الهوية والانتماء في عالم يزداد فيه التهميش الاجتماعي والاقتصادي.

ـ ثقافة بديلة أم صرخة احتجاج؟

يُنظر إلى ثقافة الشارع كشكل من أشكال “الثقافة البديلة” التي يبتكرها الشباب خارج الإطارات الرسمية.

فهي بالنسبة للكثير منهم وسيلة لتأكيد الذات والتمرد على منظومة لم تعد تستوعبهم، بسبب فشل المدرسة العمومية، ارتفاع نسب البطالة، ضعف الفضاءات الثقافية، واستفحال الفوارق الاجتماعية.

وفي هذا السياق، لا يمكن اختزال هذه الثقافة فقط في المظاهر السطحية أو في بعض الانزلاقات، بل يجب فهمها كمؤشر على استراتيجية واضحة تستجيب لتطلعات الجيل الجديد.

ـ الشارع بين الإبداع والهشاشة

رغم ما تحمله هذه الثقافة من طاقات إبداعية كبيرة، إلا أنها تواجه مخاطر عدة، منها العشوائية، العنف، والانزلاق نحو سلوكيات متطرفة في غياب التأطير المؤسساتي. بعض التجليات تتحول من وسيلة تعبير إلى فضاء لتعزيز سلوكات غير بناءة، كتعاطي المخدرات، العصابات، أو خطاب الكراهية.

ومع غياب استراتيجيات واضحة من طرف بعض الجهات المعنية لاحتضان هذه الطاقات وتوجيهها، يظل الشارع هو “المدرسة” الوحيدة التي يصقل فيها هؤلاء الشباب مواهبهم ومواقفهم، وهو ما قد يكون سيفاً ذا حدّين.

ـ أي مستقبل لثقافة الشارع؟

يتطلب التعامل مع هذه الظاهرة تفكيرًا عميقًا لا يقوم على المواجهة أو القمع، بل على الفهم والتأطير والتوجيه. يمكن لثقافة الشارع أن تكون رافعة تنموية وثقافية حقيقية إذا تم احتضانها داخل فضاءات عمومية مؤهلة، وتوفير الدعم المالي والمعنوي لمبادرات الشباب، إلى جانب إصلاح منظومة التربية والتكوين لتكون منفتحة على ثقافة العصر.

 

وأخير وليس أخر ، ثقافة الشارع ليست فقط وسيلة للهروب أو التمرد، بل هي مرآة لما يشعر به آلاف الشباب المغاربة من قلق، إحباط، وتوق للكرامة والعدالة. فهل تستجيب السياسات العمومية لهذا النداء الصامت؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*