أحداث السويداء, تحيي محور آستانا
ليلى موسى
نظراً لشدة وعمق وتجذّر تعقيدات الحالة السورية , فان كل ما يحدث فيها ، أو يرتبط بها ، لا يغدو حدثاً عابراً، يتم تجاوزه بسهولة، بل يتحول إلى مرحلة مفصلية في تاريخها، تلقي بظلالها على الترتيبات المستقبلية، ليس على صعيدها الداخلي فحسب ، بل على خارطة التحالفات والقوى والتوجهات الخارجية أيضاً.
وبناءً على هذا الواقع، فان التطورات على الساحة السورية، أصبحت تشكل دائما نقطة البداية لمسارات وتكتيكات جديدة وإعادة حسابات لمخططات قديمة، مما يجعل التنافس محموماً بين مختلف الأطراف الفاعلة في هذه الساحة، سعياً منها للفوز في تحقيق استراتيجيتها في تنافسها وصراعها مع الاستراتيجيات والمشاريع الأخرى، لدرجة بات فيها لكل حدث تأريخ ، يؤرخ لسوريا ما قبل الحدث وما بعده.
ويبدو أن أحداث السويداء وتداعياتها ليست بمعزل عن تلك المتوالية من التطورات حيث تحولت إلى نقطة فارقة في المعادلة السورية، حيث جددت الصراع بين الحلفاء الإقليمين الاستراتيجيين (إسرائيل, تركيا)، وأعادت ضخ الدماء مجدداً في محور آستانا (الصراع الغربي –الشرقي), بعد أن خُيِل للكثير من المحللين والمراقبين للقضية السورية بأنه أصبح من الماضي مع 8 ديسمبر حيث دخلت سوريا مرحلة مفصلية من تاريخها بإحداث قطيعة مع المحور الشرقي والعودة مجدداً في المحور الغربي.
ولعل أولى هذه الخطوات ، ما قامت به إسرائيل حيث تم القضاء على الترسانة العسكرية السورية روسيا المنشأ خلال الأيام الأولى مع سقوط الأسد ، وثانيها الشروط الأوروبية لشرعنة الحكومة الانتقالية ، والمتمثلة بإنهاء الوجود الروسي أو على أقل تقدير تحجيم دورها في سوريا.
وعليه، فلم يكن مستغرباً استقبال ماكرون للشرع ، سبقه الإعلان عن توقيع اتفاقية استثمار فرنسية بقيمة 230 مليون يورو لمدة 30 عاماً لميناء اللاذقية ( الذي لم يكن أختياره عبثا ) حيث تمتلك روسيا فيه ، أهم قواعدها الجوية والوحيدة خارج روسيا.
وعلى الرغم من إبداء الجانب الروسي الليونة المطلوبة، من دون التنازل عن مبادئها واستراتيجيتها ، للانفتاح على الحكومة الانتقالية في سوريا ، إلا أن دمشق رفعت من سقف مطالبها للانفتاح، وطالبت بـ ( تسليم الأسد )، وهذا الامر خط احمر روسي يحفظ لموسكو مصداقيتها تجاه حلفائها.
وكان من الواضح ان لقاء الشرع – ترامب، الذي تم برعاية سعودية, كان صفقة تم خلالها ( شرعنة) الحكومة الانتقالية مقابل الدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية ، وهو ما أكده ترمب فيما بعد .
مجمل هذه التطورات دفعت تركيا وقادتها إلى التصريح بأن الدور قادم عليها، وبدأت التفكير ملياً بإعادة النظر بكيفية الاستفادة منها واستغلالها لضمان مكتسباتها أولاً ، ومن ثم استكمال مشروعها ميثاق الملّي.
وللوهلة الأولى يبدو للمراقب بأن أحداث السويداء صراع سوري- سوري ، لكنه في الحقيقة صراع خفي بين تركيا وإسرائيل.
ويبدو ان إسرائيل بتحالفاتها وقوة شركائها في مشروع الشرق الأوسط بالغطاء الايديولوجي المعروف بالاتفاقيات الإبراهيمية كانت متيقظة للتحركات التركية وتمكنت من احتواء الأحداث في السويداء لصالحها على الرغم من زخم التجييش ،وأن كانت بشكل مرحلي.
تركيا بسياساتها البراغماتية لم تعلن ضلوعها في تلك الأحداث وفشلها المرحلي على أقل تقدير.
بل لجأت إلى خطة (ب) عبر الدفع بالحكومة الانتقالية على روسيا ، مستلهمة ذلك من تجاربها. إذ, طالما لعبت على وتر المتناقضات ، حيث عملت مع المحور الروسي واشترت إ س 400 مع الاحتفاظ ببقائها ضمن حلف الناتو.
ولكن يبدو ان حسابات تركيا هذه المرة كانت غير دقيقة أو صائبة لعدم وجود تكافئ بين إمكانيات ومقومات الحكومة الانتقالية، وتلك التي تمتلكها الدولة التركية، حتى تستطيع القيام بدور في هكذا صراع.
من المعروف عن النظم الديكتاتورية وخاصة الشرق الأوسطية بأنها تجد ضمان ديمومتها واستمرارها في سدة الحكم وباختيارهم لطبيعة نظام الحكم، عبر بناء تحالفات واستراتيجيات مع الجانب الروسي والصيني وكوريا الشمالية لأن هذه الدول تبني استراتيجيتها وتحالفاتها وعلاقاتها الاستراتيجية، بعيداً عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الصديقة والحليفة.
ويبدو أن هذا الأمر شكل صدمة للوهلة الأولى للحكومة الانتقالية التي سعت من خلال إعادة العلاقة مع روسيا لإرسال رسائل إلى المحور الغربي الذي طالما فرض عليها شروط وإملاءات لشرعنتها والقبول بها.
وعلى الرغم من البراغماتية التي اظهرتها الحكومة الانتقالية، والمتناقضة مع خلفيتها الايديولوجية التي يصعب تجاوزها ( وما يحصل من انتهاكات دليل دامغ على ذلك ) نجد بأن روسيا وبعد خسارتها لحلفائها الاستراتيجيين في الشرق الأوسط، لن تفرط بمكتسباتها في سوريا لذا, وجدنا كيف أنها غيرت من بعض من تكتيكاتها واستراتيجتها.
حيث اعترفت بعام 2022 بالديانة الإسلامية ثاني ديانة رسمية في البلاد، وسحبت البساط من الغرب الذي طالما حاربها بالإسلام المتطرف. وبالنسبة لروسيا فان خسارة نظام بعينه لا يعني خسارة دولة، وهذا ما كان واضحاً من اصرارها على البقاء في سوريا والانفتاح على الحكومة الانتقالية بتوجيه جديد، وموقف واضح عن طبيعة نظام الحكم وضمان حقوق مكونات الشعب السوري واصرارها على إشراك الكرد.
هذا التحول يأتي من باب أولاً تجاوز الأحادية (النظام الحاكم) إلى التعددية الحلفاء في المجتمع الواحد ، ورغم ادراكها بأن فرص التعويل ضعيفة على الحكومة الانتقالية ومن خلفها تركيا، ( عرابة الانفتاح السوري – الروسي ).
مع العلم تجد روسيا قوة تحالفاتها مع المحيط العربي وخاصة دول الخليج ومصر. لذا وجدنا كيف أن بوتين وجه دعوة للشرع بحضور القمة الروسية –العربية.
ومن الواضح بأن روسيا، وعلى الرغم من صراعها مع المحور الغربي، عازمة على فرص توازناتها التي طالما حافظت عليه طيلة سنوات الأزمة السورية مروراً بسقوط الأسد.
ان تواجد روسيا في سوريا مرهون بترتيبات الحرب الأوكرانية والصراعات على بحر بلطيق وغيرها من الملفات المشتركة والمتصارعة عليها مع الغرب. وإن أي مسعى لإحياء محور آستانا ربما يفتح الباب مجدداً أمام عودة إيران. وبالتالي سيكون هناك انخراط غربي –إسرائيلي. وليس مستبعد عربياً على حساب نسف جميع الترتيبات القائمة في سوريا.
وعلى الرغم من أهمية واستراتيجية التعددية في العلاقات والتحالفات الخارجية. إلا أنه في ظل ظروف الراهن للحكومة الانتقالية، واصرارها على معالجة الأحداث الداخلية وبشكل خاطئ, والإصرار على الرؤية الأحادية الاقصائية، حينها من الصعوبة بمكان الحديث عن تحقيق نجاحات بل على العكس نجد أنها تعاني حالة من التخبط والفوضى.
إن حديث الحكومة الانتقالية، والترويج على أنها حققت نجاحات في الدبلوماسية وافتتحت صفحات جديدة في التعددية في العلاقات والتحالفات، سيبقى مجرد دعايات إعلامية إن لم يتم ترجمة ذلك على أرض الواقع. وفي هذا السياق لنا ان نتساءل لماذا لم تترد أمريكا في فرض رسوم جمركية تصل إلى 41% على سوريا، وما هي دلالات تصريح السيد باراك المبعوث الأمريكي لسوريا الذي طالما لعب دوراً ترويجياً وداعماً بشكل كبير وملفت لحكومة الشرع قبل أحداث السويداء، حيث صرح بعد زيارة الوفد السوري لموسكو ( ان سوريا ستبقى ضمن قوائم الدول الراعية للإرهاب).
والخلاصة ان أي مسعى في تنويع العلاقات والتحالفات الخارجية، يجب أن يكون مبنياً على تنويع أساليب والتحالفات الداخلية، وامتلاك رؤية سليمة واستراتيجيات ناجحة وصائبة، وأن أي تقدم في التفاهمات والتحالفات الداخلية بين شعوب ومكونات سوريا, سينعكس إيجاباً على التحالفات الخارجية.
