جمعية الشعلة للتربية والثقافة” خمسة عقود من الفعل الجاد والملتزم بقضايا الطفولة والشباب”

تنظم جمعية الشعلة للتربية والثقافة الملتقى الوطني لليافعين في الفترة من 8 إلى 20 غشت 2020 بالثانوية التقنية الإدريسي بمدينة أكادير، ملتقى تحت شعار خمسة عقود من الفعل الجاد والملتزم بقضايا الطفولة والشباب.

لكن خلف هذا الموعد، ثمة تجربة تتجاوز حدود النشاط التربوي إلى رحابة الفعل الإنساني، حيث يتحول اللقاء إلى مختبر للوجود المشترك، وإلى فسحة نادرة لمساءلة معنى أن تكون مواطنا فاعلا و مسؤ لا، ومعنى أن تكون إنسانا في زمن تتنازع فيه القيم مع السرعة الرقمية والاستهلاك اللحظي.

هنا، حيث يلتقي 170 يافع ويافعة مع 40 من خيرة المؤطرين التربويين من 30 مدينة مغربية، يصبح التنوع أكثر من مجرد اختلاف لهجات أو ألوان زي تقليدي، بقدر ماهي دلالة واضخة على ثراء الذاكرة الجماعية للمغرب، وعلى أن الهوية ليست قالبا جامدا، انها نهر جارف يتشكل من روافد متعددة، تتلاقى فيه جميعها لتصنع المعنى المشترك.

في هذا الفضاء التربوي بامتياز، لا تلقن القيم كما في المقررات، ولا تختزل حقوق الإنسان في نصوص مواثيق دولية جافة ، إنها تستعاد في لحظات يومية بسيطة: في احترام الدور بالكلمة، في الإنصات لمن يختلف معك، في التضامن مع من يحتاجك، وفي الإصرار على أن تكون العدالة فعلا معاشا لا شعارات للاستهلاك .

في ورشات المسرح حيث تمارين الوقوف فوق الخشبة ، تعد تدريبا على الإصغاء العميق للآخر وعلى التعبير عن الذات دون خوف. اما ورشات و انية الشعر والقصة القصيرة تعد تمرينا على تحويل الذات إلى لغة، واللغة إلى جسر نحو الآخر. والموسيقى والإنشاد يعتبران درسا بلينا في الانسجام، حيث يذوب الفرد في الجماعة دون أن يفقد صوته الخاص.

إن الملتقى الوطني لليافعين يشكل في جوهره رحلة نحو الإنسان الكامن في كل مشارك.

 فمن بين جدران الثانوية التقنية الإدريسي، انطلقت حوارات حول المساواة والحرية والكرامة، وتفتحت عيون اليافعين على أن المواطنة ليست بطاقة تعريف ولا نشيدا وطنيا يردد في لحضات احماسة ، انها مسؤولية أخلاقية تمارس في الحيز العام كما في التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية للفرد و الحماعة .

لقد منح هذا الفضاء اليافعين فرصة لتجربة شكل آخر من الوجود، وجود لا تحكمه خوارزميات منصات التواصل، ولا تختزل فيه العلاقات في رسائل فورية، بل وجود قائم على الحضور الجسدي والنظر المباشر، على حرارة الحوار وملامح الوجه. هنا، يدركون أن الكرامة ليست مفهوما تجريديا، انها إحساس يولد حين يتم الاعتراف بك وبصوتك وحقك في الاختلاف.

إن تجربة الملتقى الوطني لليافعين، كما تجسدها جمعية الشعلة، تذكرنا بأن التربية على المواطنة وحقوق الإنسان ليست رفاهية فكرية، بقدر ما هي الشرط الأول لأي مشروع تنموي حقيقي. فحيثما غابت هذه القيم، حضر الاستلاب والانقسام، وحيثما وجدت، ازدهر المعنى المشترك وصار المستقبل أكثر قابلية للحياة.

في أكادير، يحيا المشاركون سفراء لقيم الحرية والعدالة والعيش المشترك، لا لأنهم يحفظون نصوصا أو شعارات، بل لأنهم يعيشون لحظة إنسانية كاملة، تعيد وصلهم بجوهرهم، وتجعلهم يدركون أن الإنسان، في النهاية، لا يبنى بالمعرفة وحدها، بل بالقيم التي تمنحه المعنى، وبالمسؤولية التي تجعله جديرا بحمل اسم “مواطن”.

 

بقلم: الأستاذ إبراهيم أمنون – منسق جهة سوس ماسة

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*