إصلاح المنظومة الانتخابية: لحظة مفصلية لاستعادة الثقة وتجديد الفضاء السياسي
بقلم: عبدالهادي بريويك
في سياق يتسم بإشارات سياسية قوية نحو ترسيخ الخيار الديموقراطي وتجديد قواعد اللعبة السياسية، قدّم حزب التقدم والاشتراكية، يوم 18 غشت 2025، مذكرة شاملة تتعلق بإصلاح المنظومة العامة المؤطرة لانتخابات مجلس النواب لسنة 2026، وذلك استجابةً لدعوة المشاورات التي أطلقتها وزارة الداخلية، تحت إشراف ملكي سامٍ، كما ورد في خطاب الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش.
وقد جاءت هذه المذكرة في سياق وطني خاص، تُدرك فيه مختلف القوى السياسية الحاجة الملحة لإعادة بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وتجاوز تداعيات ما عرفته انتخابات 2021 من ممارسات مسيئة أضعفت مصداقية العملية الانتخابية وعمّقت أزمة الثقة في العمل الحزبي. وهو ما عبّر عنه الحزب بوضوح خلال الندوة الصحفية التي نظمها صباح الإثنين 1 شتنبر 2025، حيث دعا إلى قراءة نقدية صريحة وواقعية للمسار الانتخابي، وضرورة تحويل الاستحقاقات المقبلة إلى لحظة سياسية فارقة، تُجسد القطيعة مع الماضي وتؤسس لمسار ديموقراطي سليم، منتج ومندمج في الحركية التنموية الوطنية.
لحظة تأسيسية لمصالحة وطنية مع السياسة
من أبرز ما ثمّنه الحزب في مذكرته هو الرسائل القوية الواردة في الخطاب الملكي، خاصةً الحرص على تنظيم الانتخابات في موعدها الدستوري، وعلى قاعدة تشاورية مفتوحة تُفضي إلى منظومة انتخابية شفافة، عادلة ومحفزة على المشاركة. في هذا الإطار، اعتبر الحزب أن الظرفية السياسية تمثل فرصة تاريخية لإحداث قطيعة مع كل أشكال الإفساد التي تُفرغ الانتخابات من محتواها الديموقراطي، والتي تجسدت في استعمال المال، ضعف الحياد الإداري، وتبخيس دور الأحزاب ذات المصداقية.
وقد أكد حزب التقدم والاشتراكية أن المدخل الحقيقي لأي إصلاح هو تخليق الفضاء الانتخابي، وجعله مجالًا للتنافس على أساس البرامج والكفاءات، لا على أساس النفوذ والزبونية. ومن ثمة، قدم مجموعة من المقترحات الدقيقة لتشديد العقوبات على الفساد الانتخابي، وتجريم استغلال المال العام والأنشطة التضامنية في الحملات، وربط الترشح بالكفاءة والنزاهة والمسؤولية.
من أجل انتخابات تُفرز مؤسسات ذات مصداقية
ترتكز رؤية الحزب، كما جاءت في المذكرة، على ضرورة استعادة المعنى السياسي للانتخابات، ليس فقط كاستحقاق دوري، بل كآلية لإفراز مؤسسات تمثيلية قوية، ذات شرعية شعبية، قادرة على ممارسة أدوارها الدستورية بكفاءة واستقلالية، سواء في التشريع أو الرقابة أو تقييم السياسات العمومية. كما شدد الحزب على ضرورة توفير شروط تتيح إنتاج حكومة سياسية حقيقية، تشتغل بمنطق التعاقد السياسي والبرنامجي لا بمنطق المحاصصة والهيمنة.
ومن هذا المنطلق، دعا الحزب إلى مراجعة التقطيع الانتخابي بشكل جذري، لضمان الإنصاف المجالي والتوازن التمثيلي، وتقليص عدد الدوائر الصغيرة التي تُضعف التعددية، مع اقتراح اعتماد عتبة جديدة تُمكن من تعزيز الحضور السياسي للقوى الجادة. كما طالب بإحداث هيئة وطنية تتبع ومواكبة انتخابية، تضمن التنسيق بين مختلف الفاعلين، وتُخضع العملية الانتخابية لأعلى درجات الشفافية والرقابة المؤسساتية.
مشاركة فعلية تعكس تنوع المجتمع
من بين أبرز مضامين المذكرة، دعوة الحزب إلى تعزيز تمثيلية النساء والشباب ومغاربة العالم. وقد تميزت مقترحاته في هذا الباب بجرأة مؤسساتية واضحة، من خلال المطالبة برفع حصة النساء في اللوائح الجهوية إلى الثلث، والعودة إلى لائحة وطنية للشباب، واعتماد نظام التناوب (Zipper System) في اللوائح لضمان تموقع فعلي للنساء في مراتب متقدمة.
كما دعا إلى إحداث دائرة وطنية للأطر والكفاءات، تُخصص لها 30 مقعدًا تُنتخب وفق منطق المناصفة والتمثيلية المجالية، ما من شأنه أن يفتح المجال أمام النخب والكفاءات للمساهمة في تجويد العمل التشريعي.
أما بالنسبة لمغاربة العالم، فقد طالب الحزب بإقرار دوائر انتخابية خاصة بهم، واعتماد التصويت الإلكتروني، مما يُعيد ربط هذه الفئة الواسعة بوطنها ومؤسساته.
رقمنة، شفافية، وعدالة في الدعم العمومي
في محور تقني بالغ الأهمية، اقترح حزب التقدم والاشتراكية إصلاحًا معمقًا لمنظومة الدعم العمومي، بشكل يضمن الشفافية ويعزز المساواة بين الأحزاب، ويُقلص من دوافع اللجوء إلى المال الانتخابي غير المشروع.
كما دعت المذكرة إلى رقمنة مختلف مراحل المسار الانتخابي، من التسجيل إلى التصويت، وإعلان النتائج في حينها، مع المطالبة بإعادة تنظيم مكاتب التصويت لتيسير الولوج وضمان المشاركة الفعلية لكافة المواطنين.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإرادة السياسية
في الندوة الصحفية التي نُظمت يوم الإثنين 1 شتنبر 2025، أعاد الحزب التأكيد على أن أي إصلاح تقني، مهما بلغ مستواه، سيظل محدود الأثر في غياب إرادة سياسية حقيقية لإحداث انفراج ديمقراطي وحقوقي، ولقطع الطريق أمام لوبيات الفساد الانتخابي التي عطلت مسار التطور الديمقراطي لعقود.
وقد اعتبر الحزب أن استحقاق 2026 يجب أن يكون لحظة سياسية نوعية لتجديد التعاقد بين الدولة والمجتمع، من خلال الانتصار لقيم الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان المشاركة الواسعة والواعية للمواطنين. فبدون ذلك، سيبقى خطر الفراغ السياسي قائمًا، وستتواصل أزمة المصداقية والتمثيلية التي تعاني منها المؤسسات المنتخبة.
الانتخابات ليست غاية بل وسيلة لبناء الديموقراطية
خلاصة القول، إن المذكرة التي قدمها حزب التقدم والاشتراكية تمثل مساهمةً سياسيةً وفكريةً جادة في ورش وطني مفصلي. فهي لا تكتفي بتشخيص الاختلالات، بل تقترح بدائل عملية وقابلة للتفعيل، تستحضر البعد الدستوري، وتستلهم طموحات المجتمع نحو حياة سياسية نظيفة ومؤسسات ذات جدوى.
إننا اليوم أمام فرصة تاريخية لتصحيح المسار، وبناء مشهد سياسي متجدد يعيد الثقة والكرامة للعمل السياسي، ويضع بلادنا على سكة ديمقراطية حقيقية تُعزز التنمية، وتُحصن الجبهة الداخلية، وتؤهل المغرب ليلعب أدواره كاملة في محيط إقليمي ودولي متحول ومعقد.

