سياسي: رشيد لمسلم
في الثامن عشر من دجنبر من كل سنة، تعود إلى الواجهة واحدة من أبشع الصفحات في تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية، صفحة التهجير القسري الجماعي للمغاربة من الجزائر سنة 1975، في جريمة سياسية وإنسانية مكتملة الأركان، لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن طمسها بالصمت أو النسيان.
ففي أعقاب المسيرة الخضراء، تلك الملحمة السلمية التاريخية التي قادها المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، وشارك فيها 45 ألف مواطنة ومواطن مغربي لاسترجاع الأرض بالقرآن والعلم، اختارت السلطات الجزائرية منطق الانتقام بدل الحكمة، والعقاب الجماعي بدل احترام القانون الدولي.
لقد أقدمت الدولة الجزائرية، بشكل متعمد ومنظم، على ترحيل قسري لحوالي 45 ألف مغربي ومغربية، كثير منهم وُلدوا على الأراضي الجزائرية وعاشوا فيها لعقود، في انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يجرّم الطرد الجماعي ويضمن حق الملكية وعدم المساس بالكرامة الإنسانية.
مشاهد ذلك الشتاء القاسي لا تزال محفورة في الذاكرة:
عائلات فُرّقت قسرًا، نساء وأطفال وشيوخ طُردوا في عزّ المطر والبرد، أناس جُرّدوا من بيوتهم، وأراضيهم، ومصادر عيشهم، ودُفعوا نحو الحدود المغربية دون متاع، دون وثائق، ودون أدنى اعتبار لإنسانيتهم.
كانت معاناة جماعية ممنهجة، لا مجرد “قرار سياسي عابر”.
وإزاء هذه الذكرى الأليمة، يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
لماذا كل هذا الحقد السياسي على المغرب؟
ولماذا تصرّ الجزائر، منذ عقود، على اتخاذ العداء للمغرب عقيدة دبلوماسية، رغم وحدة الجغرافيا، وتشابك التاريخ، ووحدة الدين واللغة والمصير؟
فالمغرب، دولةً وشعبًا، لم يُبادِل يومًا الإساءة بالإساءة، بل ظلّ ثابتًا في دعوته إلى الحوار، وإلى بناء فضاء مغاربي متكامل، قائم على التعاون والاحترام المتبادل.
ولا تزال المبادرات المغربية الصادقة للمصالحة وفتح الحدود شاهدا حيا على إرادة سياسية واضحة، مقابل رفض متكرر، وتصعيد ممنهج، ومحاولات دائمة لتوتير العلاقات الثنائية وتسميم الأجواء الإقليمية.
إن ذكرى ترحيل المغاربة من الجزائر ليست قضية مغربية داخلية، بل هي ملف حقوقي دولي، يستدعي الاعتراف، والاعتذار، وجبر الضرر، وردّ الاعتبار للضحايا.
فالعدالة الانتقائية لا تبني مستقبلًا، والصمت عن الجرائم لا يصنع استقرارًا.
وإذا كانت الدول تُقاس بقدرتها على مواجهة ماضيها بشجاعة، فإن المصالحة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالحقيقة كاملة، لا من إنكارها أو الالتفاف عليها بخطابات سياسية جوفاء.
لسنا دعاة قطيعة، ولا أنصار كراهية، لكننا نرفض النسيان المفروض، ونؤمن بأن الذاكرة العادلة شرط لأي مصالحة صادقة.
فلا وحدة مغاربية دون إنصاف، ولا حسن جوار دون احترام كرامة الإنسان، ولا مستقبل مشترك دون عدالة تاريخية.
ويبقى شهر دجنبر شاهدًا على جريمة لن تُمحى من الذاكرة، حتى يُعاد الحق لأصحابه، وتُفتح صفحة جديدة على أساس الحقيقة، لا الإنكار.
