أبريل أيها الكاذب

أبريل أيها الكاذب

سياسي: رشيد لمسلم

في كل عام، ومع حلول شهر أبريل، يتجدد ذلك الطقس الخفيف الذي يختبر قابلية الناس لتصديق الأخبار، ولو كانت مفبركة.

غير أن هذا التقليد العابر يطرح، في السياق المغربي، سؤالا أثقل من طبيعته الساخرة: هل يتعلق الأمر بيوم واحد فقط، أم أن العلاقة بين الخطاب الرسمي والحقيقة أصبحت أكثر تعقيدا مما نتصور؟

ليست القضية في اتهام مباشر بالكذب، فالحكومة ، بطبيعتها، لا تتحدث لغة الاعترافات البسيطة، بل تمارس ما يمكن تسميته بـ”فن صياغة الواقع”.

في تصريحات متكررة لمسؤولين حكوميين، يبرز خطاب مطمئن عن تحسن المؤشرات الاقتصادية، وعن مجهودات كبيرة في خلق فرص الشغل، وعن برامج طموحة قادرة على امتصاص البطالة وتقليص الفوارق.

لغة متماسكة، منضبطة، ومبنية على أرقام تبدو في ظاهرها دقيقة.

لكن، حين يخرج المواطن من هذا الخطاب إلى واقعه اليومي، تبدأ المسافة في الاتساع.

الأرقام نفسها التي تقدم كدليل على التحسن، تظهر في تقارير أخرى بشكل مختلف، وأحيانا مقلق.

معدل البطالة، مثلا، لا يستقر على رقم واحد في الوعي العام؛ بل يتأرجح بين نسب تعكس اختلافا في طرق الحساب، لكنه يُترجم لدى الناس إلى شعور بعدم وضوح الحقيقة.

وحين تتحدث الحكومة عن مناصب شغل محدثة، يقابل ذلك إحساس واسع بأن سوق العمل ما يزال عاجزا عن استيعاب فئات واسعة من الشباب.

الأمر لا يقف عند حدود الأرقام، بل يمتد إلى نبرة الخطاب نفسه.

هناك ميل واضح إلى التفاؤل، إلى تقديم الإنجازات بصيغة مكتملة، وإلى تأجيل الاعتراف بالصعوبات أو التقليل من حدتها.

في المقابل، تصدر عن مؤسسات رسمية أخرى، أو حتى عن فاعلين داخل نفس المنظومة، أو هيآت سياسية ومنظمات، إشارات أكثر حذرا، تتحدث عن اختلالات بنيوية، وعن تحديات لم يتم تجاوزها بعد.

هذا التباين لا يمر دون أثر؛ إذ يخلق نوعا من الازدواجية في إدراك الواقع، حيث يصبح من الصعب على المواطن أن يحدد أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ التأويل.

في هذا السياق، لا يبدو مفهوم “الكذب” كافيا لتفسير ما يحدث.

نحن أمام ظاهرة أكثر تركيبا: خطاب سياسي ينتقي من الواقع ما يدعمه، ويؤطره ضمن سردية متفائلة، دون أن يكون مضطرا إلى الكذب الصريح.

إنها منطقة رمادية، تتداخل فيها الحقيقة مع الزاوية التي تعرض منها، ويصبح فيها الإخفاء الجزئي، أو التبسيط المفرط، أو حتى إعادة ترتيب الأولويات، أدوات مشروعة في منطق السياسة، لكنها مكلفة في منطق الثقة.

شهر أبريل، إذن، ليس سوى استعارة.

فالقضية لا تتعلق بيوم يسمح فيه بالكذب، بل بثقافة تواصل تحتاج إلى مراجعة.

لأن الرهان الحقيقي لا يكمن في إقناع الناس بأن كل شيء على ما يرام، بل في القدرة على مصارحتهم بما هو صعب ومعقد، دون خوف من رد الفعل.

الثقة لا تبنى على الأخبار السارة فقط، بل على الاتساق، وعلى وضوح المعايير، وعلى احترام ذكاء المواطن.

قد لا تكون الحكومة  تكذب بالمعنى المباشر، لكنها، كغيرها من الحكومات، تمارس انتقاء الحقيقة.

وبين الانتقاء والكذب خيط رفيع، لا يقاس بالقوانين أو التعاريف، بل بشعور الناس أنفسهم: هل ما يقال يعكس ما يعيشونه فعلا، أم أنه مجرد رواية رسمية تحاول أن تجعل الواقع أكثر قابلية للتصديق؟

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*