الردع المتكامل : قراءة في أبعاد العقيدة العسكرية المشتركة بين الرباط و واشنطن.
بقلم : البراق شادي عبد السلام
تمثل حادثة “ديلونغ” (DeLong Affair) عام 1862 مرتكزا استراتيجيا في تاريخ التفاعل العسكري والدبلوماسي بين الرباط وواشنطن، حيث جسدت دعما مغربيا مبكرا لمفهوم الدولة المركزية والسيادة الوطنية الأمريكية خلال ذروة الحرب الأهلية بين الحكومة الاتحادية في واشنطن و الحطومة الكونفيدرالية في الجنوب.
انطلقت فصول هذه الواقعة حين رست سفينة فرنسية في ميناء طنجة وعلى متنها “هنري مايرز”، مسؤول الحسابات في السفينة الحربية الكونفدرالية (CSS Sumter)، ورفيقه “توماس تونستول”، القنصل الأمريكي السابق في قادس؛ إذ كان الرجلان يمثلان مصالح الولايات الجنوبية المنفصلة في طريقهما إلى إسبانيا ضمن مهمة لكسر العزلة التي فرضها القناصل الاتحاديون على الأسطول الكونفدرالي. وبمجرد ترجلهما في المدينة، باشر القنصل الأمريكي “جيمس ديلونغ” إجراءات توقيفهما بتهمة الخيانة العظمى، والتحفظ عليهما داخل مقر المفوضية الأمريكية بطنجة، لتبدأ فصول مواجهة دبلوماسية حامية الوطيس مع القوى الإمبريالية، وخاصة فرنسا، التي حاولت فرض وصايتها لحماية السجينين بدعوى وصولهما على متن وسيلة نقل فرنسية.
واستنادا إلى الرؤية السيادية للسلطان محمد بن عبد الرحمن، حسم نائبه في طنجة محمد برݣاش الجدل الدبلوماسي بالارتكاز على الالتزامات التعاقدية الراسخة في معاهدة 1786، التي وقعها السلطان سيدي محمد بن عبد الله مع المفوضين الأمريكيين جون آدامز وتوماس جيفرسون. اعتبر بركاش أن دعم الشرعية الأمريكية ينطلق من روح المادة العاشرة التي تفرض حماية المصالح والسفن الأمريكية، والمادة العشرين التي تمنح القنصل الأمريكي ولاية قضائية كاملة للفصل في قضايا مواطنيه وتلزم السلطات المغربية بتقديم الدعم لتنفيذ أحكامه.
وبناء على هذا التأصيل القانوني، رفض برݣاش الإذعان للضغوط الأوروبية، معتبرا السجينين رعايا متمردين خارجين عن طاعة حكومتهم الشرعية، ومصادقا على عملية إنزال ميدانية لفرقة من مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) من السفينة الحربية (U.S.S. Ino) لتسلم الأسرى وتأمين نقلهم. اتصالا بذلك، تجاوز هذا الموقف حدود الحدث العابر ليصبح خيارا استراتيجيا شمل حظر دخول السفن الانفصالية للموانئ المغربية، مما كرس مكانة المغرب كشريك يرفض المساس بالوحدة الترابية لحلفاءه بواشنطن في خضم الحرب الأهلية الأمريكية .
تستند الشراكة العسكرية المغربية الأمريكية إلى تراكم تاريخي ومصالح جيو-إستراتيجية تجعل منها تحالفا عضويا يتجاوز الأطر التقليدية للتعاون الثنائي، وذلك تنزيلا للرؤية الملكية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الملكية. حيث تعود جذور هذا الترابط إلى معاهدة الصداقة والمنفعة لعام 1786، في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله ، والتي تضمنت في عمقها التزامات دفاعية وأمنية دقيقة بين البلدين، لا سيما في المادتين العاشرة والعشرين اللتين أسستا لمفهوم الحماية المتبادلة والولاية القضائية والتعاون في مواجهة التهديدات البحرية.
وبناء على هذه المرجعية التعاقدية، بدأت ملامح التوجه السيادي تتبلور بوضوح منذ واقعة “ديلونغ” عام 1862، حين انتصر المغرب لمبدأ سيادة الدولة المركزية في واشنطن ضد النزعات الانفصالية رغم الضغوط الإمبريالية، وهو ما أسس لعرف دبلوماسي يقضي بدعم الوحدة الترابية للشركاء في لحظة الأزمات الوجودية و هو ما يظهر لاحقا في الموقف الأمريكي الداعم لسيادة الإمبراطورية الشريفة في مؤتمر الجزيرة الخضراء 1906 و الدعم الكامل لاستقلال المملكة المغربية من طرف الرئيس الأمريكي روزفيلت في مؤتمر أنفا 1943 إثر لقاءه مع بطل التحرير الملك محمد الخامس و هو الأمر الذي استمر في عهد الملك الراحل الحسن الثاني حيث كان الدعم الدائم للمملكة في حربها الوجودية المقدسة لأجل الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة .
حيث توجت أعمال الدورة الرابعة عشرة للجنة الاستشارية للدفاع المغربية-الأمريكية، المنعقدة في واشنطن بين 14 و16 أبريل 2026، مسارا طويلا من التنسيق المشترك، لتضع اللبنات الأولى لمرحلة “الاندماج الاستراتيجي” بين المؤسستين العسكريتين العريقتين، فمن خلال رئاسة مشتركة ضمت الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، والوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني عبد اللطيف لوديي، واللقاءات رفيعة المستوى مع وزير الحرب الأمريكي “بيت هيغسيث” ورئيس الأركان “دان كاين”، تم تثبيت انتقال التعاون من البعد التقني الصرف إلى شراكة بنيوية شاملة ، حيث ركزت هذه الدورة على تفعيل مخرجات خارطة الطريق العشرية 2026-2036، التي تهدف إلى تحقيق “التكامل العملياتي” الكامل، مما يتيح للقوات المسلحة الملكية العمل ضمن شبكات البيانات المؤمنة واللحظية للجيش الأمريكي.
وبناء على هذه التوجهات، تم إقرار مشاريع صناعية دفاعية كبرى تهدف إلى توطين التكنولوجيا العسكرية في المغرب، لا سيما في مجالات صيانة الطائرات المتقدمة وإنتاج الأنظمة الجوية والبرية، بما يخدم طموح المملكة في التحول إلى قطب صناعي دفاعي إقليمي يؤمن الاحتياجات الوطنية ويعزز الاستقرار في المجال الأطلسي والساحل.
ارتباطا بالأبعاد الجيوسياسية، تكرس مخرجات الدورة الرابعة عشرة للجنة الاستشارية للدفاع دور المغرب كركيزة أساسية في الهندسة الأمنية الدولية، حيث تتقاطع المصالح الدفاعية لواشنطن مع الرؤية الملكية الرامية لتأمين المجالات الحيوية المشتركة، وذلك في سياق وطني يتسم بالانبعاث القوي للصناعة العسكرية وتوطيد السيادة الوطنية على كامل التراب الوطني من طنجة للكويرة و المياه الإقليمية في الواجهة البحرية للمملكة ، حيث يتجاوز هذا الدور النطاق التقليدي لمكافحة الإرهاب وتأمين الحدود ليشمل ريادة استراتيجية في المبادرة الأطلسية، التي تهدف إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط، وتحويل الساحل الغربي لإفريقيا إلى منطقة استقرار وازدهار اقتصادي. وبناء على هذا النضج في التحالف، أصبحت الرباط “مصدرا للأمن” إقليميا وقوة حامية للبنى التحتية الطاقية والملاحية الكبرى، مثل مشروع أنبوب الغاز الأطلسي (المغرب-نيجيريا)، و ميناء الداخلة الأطلسي و ميناء الكويرة الأطلسي مستقبلا ، مما يجعل من الشراكة العسكرية صمام أمان جيوسياسي يضمن حماية التدفقات الاقتصادية و الاستثمارية والمصالح الاستراتيجية في منطقة تموج بالتحولات العنيفة و التهديدات اللاتماثلية و تشكل مناورات “الأسد الإفريقي” المختبر الميداني السنوي لاختبار هذا الانسجام التكتيكي والعملياتي بين الجيشين الصديقين في ظروف قتالية حقيقية. حيث تكرس هذه التمارين الكبرى مكانة المغرب كمنصة انطلاق استراتيجية لتعزيز الأمن الجماعي وتوحيد المفاهيم العسكرية في القارة الإفريقية.
وبموازاة ذلك، يشكل نجاح هذا المسار اعترافا دوليا بقدرة المملكة على الموازنة بين متطلبات الردع الحديث وصون القرار السيادي، وهو ما ينسجم مع العقيدة الدبلوماسية المغربية التي ترفض الارتهان للتحالفات الجامدة وتفضل الشراكات القائمة على الندية.
حيث إن التوقيع على خارطة طريق 2026-2036 يجسد الانتقال إلى مرحلة الاندماج التي تتيح استباق التهديدات السيبرانية وتطوير الصناعات الدفاعية المحلية في مناطق التسريع الصناعي ببنسليمان وبرشيد، وهو ما يخدم هدف الاستقلالية الاستراتيجية للمغرب في ظل نظام دولي يتسم بحالة اللايقين.
وبذلك، تظل الشراكة المغربية الأمريكية ضمانة للاستقرار الإقليمي، حيث تتوحد العقيدة العسكرية والرؤية السياسية تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، لخدمة قضايا السلم والأمن في القارة الإفريقية وصيانة الوحدة الترابية للمملكة من طنجة إلى الكويرة.
ختاما، يشكل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه ذروة هذا المسار الاستراتيجي، حيث يضع الشراكة العسكرية في إطار سياسي متكامل يخدم الوحدة الترابية للمملكة ويوطد الروابط بين البلدين.
وبناء على هذا النضج، برزت المواقف المشرفة لواشنطن في المحافل الدولية، لا سيما داخل مجلس الأمن واللجنة الرابعة، عبر حماية المسار السياسي وتثبيت وجاهة مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد، مع التصدي للمناورات الرامية للمساس بالأمن القومي المغربي ، وارتباطا بهذا الدور، يتجلى التنسيق الدائم في قضايا الشرق الأوسط كركيزة لاستقرار المنطقة، وهو ما يبرز في دور المغرب الفاعل ضمن “مجلس السلام” لمعالجة أوضاع قطاع غزة، انسجاما مع الرؤية الملكية المتبصرة لإحلال السلم و الدفاع المبدئي غن القضايا العادلة في الملف الفلسطيني.
وبموازاة ذلك، تظل هذه الشراكة ضمانة للأمن الدولي تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، حيث تلتقي الإرادة السياسية بالقدرة العسكرية لصياغة مستقبل مستقر في القارة الإفريقية والمجال الأطلسي، بعيدا عن أوهام الانفصال.
