التعددية المغربية تحت الاستهداف
كتبها: فيصل مرجاني
إن ما يتنامى اليوم من خطابات الكراهية والإقصاء الموجّهة ضد اليهود، سواء كانوا سياحًا أو مواطنين مغاربة منتمين إلى الديانة اليهودية، لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد خلل تعبيري مؤقت أو توتر سياقي محدود الأثر، بل يندرج ضمن سيرورة مقلقة لصعود نمط من الفكر الإيديوديني المتصلّب، حيث يتم اختزال الدين في بنية أيديولوجية مغلقة، تُفرغ النص من أبعاده القيمية، وتُعيد توظيفه كأداة للفرز الهوياتي والإقصاء الرمزي.
إننا أمام تحوّل نوعي في تمثّل الذات والآخر، حيث لم يعد الخلاف يُدار ضمن أفق التعدد، بل يتم تحويله إلى قطيعة أنطولوجية تُنتج ثنائيات حادّة: طاهر/مدنّس، منتمٍ/دخيل، مشروع/مهدِّد.
وهذه الثنائيات ليست بريئة، بل تؤسس لبنية ذهنية يغذيها الغلوّ، وتُعيد إنتاج التطرف في صورته الأكثر بدائية: إنكار التاريخ، وتفكيك الذاكرة، وشيطنة الاختلاف.
ضمن هذا الأفق المنغلق، يتم التعامل مع الحضور اليهودي في المغرب وهو حضور ضارب في عمق الزمن لما يفوق خمسة وعشرين قرنًا، بوصفه ظاهرة دخيلة وليس مكوّنًا تأسيسيًا.
وهو قلبٌ فجّ لمنطق التاريخ، إذ يتحول الثابت إلى استثناء، ويُعاد تعريف الطبيعي باعتباره تهديدًا.
هذه الآلية الذهنية لا تعكس جهلًا فحسب، بل تعبّر عن رغبة واعية في إعادة هندسة الذاكرة الجماعية وفق سردية إقصائية، تسعى إلى محو أحد روافد الهوية المغربية.
إن أخطر ما في هذا الخطاب ليس حدّته الظاهرة، بل بنيته العميقة التي تنزع نحو نوع من “التطهير الرمزي”، حيث يُراد للمغرب أن يُعاد تشكيله ككيان أحادي، منزوع التعقيد، منزلقًا نحو تمثّل اختزالي للذات الجماعية.
والحال أن المغرب، في امتداده التاريخي، لم يكن يومًا نتاج نقاء هوياتي متخيَّل، بل ثمرة تفاعل مركّب بين روافد متعددة، كان المكوّن العبري أحد أعمدتها الراسخة.
إن هذا الانزلاق نحو الغلوّ الإيديوديني لا ينتج فقط خطابًا عدائيًا، بل يُفرغ المجال العمومي من العقلانية، ويُقصي إمكان التفكير العقلاني المؤسَّس على العيش المشترك لصالح خطاب تعبوي قائم على الإثارة والانفعال.
وهنا يتحول الدين من أفق أخلاقي جامع إلى أداة تبرير للإقصاء، وتتحول الوطنية من مشترك جامع إلى خطاب مُنتج للانغلاق.
غير أن هذا البناء الخطابي، مهما بدا صاخبًا، يصطدم بصلابة الوقائع.
فالمعطى الديموغرافي وحده يكشف تهافته: ما يزيد عن 14% من يهود العالم هم من أصول مغربية، أي ما يقارب مليونًا ونصف المليون يهودي يشكلون امتدادًا حيًا للذاكرة المغربية خارج حدودها الترابية.
هؤلاء ليسوا هامشًا تاريخيًا او وجودًا ثانويًا، بل جزء من الكتلة الحضارية التي ساهمت في تشكيل المغرب كما نعرفه.
ثم إن الثابت الذي يعجز هذا الخطاب عن استيعابه هو أن المغرب لم يُبنَ على منطق الإقصاء الجماعي، ولم يعرف تاريخيًا طردًا لليهود، بل ظل فضاءً مفتوحًا، غادره أبناؤه في سياقات متعددة دون أن تنقطع وشائج الانتماء.
ومن ثم، فإن حضورهم، وزياراتهم، وارتباطهم المستمر بهذا الفضاء، ليس أمرًا استثنائيًا، بل تجلٍّ طبيعي لذاكرة لم تنكسر.
إن الدفاع عن هذا المعطى ليس فقط مجرد موقف أخلاقي، بل هو دفاع عن البنية العميقة للعقل التاريخي المغربي، في مواجهة نزعات اختزالية تسعى إلى إعادة صياغة الهوية بمنطق الإقصاء، وهو منطق لا يُنتج إلا مزيدًا من الانغلاق، والتشظي، وفقدان المعنى.
