من شغب الملاعب إلى شغب المجالس الجماعية: أيُّ منتخب نريد؟

فنجان بدون سكر:

من شغب الملاعب إلى شغب المجالس الجماعية: أيُّ منتخب نريد؟

بقلم: عبد الهادي بريويك

لم يعد مشهد الشغب مقتصرا على مدرجات الملاعب الرياضية، حيث ترتفع الأصوات وتختلط الحماسة بالفوضى، بل أصبحنا، للأسف، نشاهد أحيانا صورا مشابهة داخل بعض المجالس الجماعية، وهي الفضاءات التي يُفترض أن تكون عنوانا للنقاش الرصين والتدبير المسؤول لقضايا المواطنين.

فبين مستشارين يتناطحون يالرؤوس كما وقع مؤخرا بجماعة الصفصاف بإقليم سيدي قاسم، والسب والقذف بالألفاظ، وآخرين يتبادلون الاتهامات والانفعالات، بل ويصل الأمر أحيانا إلى التطاول على التجهيزات الإدارية أو تعطيل السير العادي للدورات بحضور السلطات المحلية ووسائل الإعلام، يبرز سؤال عميق ومقلق: أيُّ منتخب نريد؟

المنتخب ليس مجرد فائز في الانتخابات

الانتخابات ليست سباقا عدديا فقط، ولا تفويضا مفتوحا لممارسة الانفعال أو تصفية الحسابات الشخصية.

فالمنتخب في جوهره ممثل للمواطن، وصورة للمؤسسة، وواجهة لقيم الديموقراطية المحلية.

وحين يتحول النقاش داخل المجالس إلى صراخ وفوضى وتبادل للإهانات، فإن الخاسر الحقيقي ليس طرفا سياسيا بعينه، بل هي صورة العمل الجماعي وثقة المواطن في المؤسسات.

إن المواطن الذي تابع حملات انتخابية مليئة بالوعود حول التنمية والحكامة والشفافية، ينتظر من ممثليه سلوكا يعكس النضج السياسي والقدرة على تدبير الاختلاف، لا إعادة إنتاج مشاهد أقرب إلى “شغب الملاعب” منها إلى فضاءات التداول الديموقراطي.

أزمة سلوك أم أزمة تكوين؟

ما يحدث داخل بعض المجالس الجماعية يطرح أكثر من علامة استفهام حول مستوى التأهيل السياسي والتكويني لبعض المنتخبين.

فالتدبير المحلي ليس مجرد حضور جلسات أو رفع الأيدي أثناء التصويت، بل مسؤولية تتطلب الإلمام بالقانون، والقدرة على التواصل، والتحكم في الانفعالات، واحترام المؤسسات والخصوم السياسيين.

الاختلاف في الرأي أمر طبيعي وصحي، بل هو أساس الممارسة الديموقراطية، لكن تحويله إلى صراع شخصي أو فوضى لفظية وسلوكية يكشف عن غياب ثقافة الحوار وضعف الوعي بالدور التمثيلي للمنتخب.

إن المنتخب الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الأصوات التي حصل عليها، بل بقدرته على التحلي بالحكمة والرصانة وضبط النفس، خاصة في لحظات التوتر والخلاف.

حين تهتز صورة المؤسسة

الأخطر في هذه السلوكات أنها لا تسيء فقط للأشخاص المتورطين فيها، بل تضرب هيبة المؤسسة نفسها.

فالمجلس الجماعي ليس ملكا لأعضائه، بل مؤسسة عمومية تمثل المواطنين وتدبر شؤونهم اليومية.

وعندما تتحول جلساته إلى ساحات للفوضى أو العبث بالممتلكات العمومية، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام هي أن بعض من أوكلت إليهم مسؤولية التدبير عاجزون حتى عن تدبير اختلافاتهم.

كما أن حضور السلطات المحلية في بعض هذه المشاهد يضاعف من حجم الإحراج، ويعكس صورة سلبية عن مستوى الممارسة السياسية المحلية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز الثقة في المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة.

أيُّ منتخب نريد؟

نريد:

 منتخبا يدرك أن السياسة أخلاق قبل أن تكون مواقع ومصالح.

 منتخباً يعتبر نفسه خادماً للصالح العام لا بطلاً في حلبة صراع.

 منتخباً يختلف باحترام، ويناقش بحجة، ويعارض بمسؤولية، ويحتكم إلى القانون والمؤسسات بدل الانفعال والتشنج.

 نريد منتخباً يؤمن بأن قوة الديمقراطية ليست في ارتفاع الأصوات، بل في قوة الأفكار.

 وأن هيبة المؤسسة تُبنى بالرصانة والانضباط، لا بالفوضى والاستعراض.

إن ما تشهده بعض المجالس الجماعية من سلوكات غير لائقة يجب أن يكون ناقوس تنبيه حقيقيا للأحزاب السياسية، وللهيئات المكلفة بالتأطير والتكوين، وحتى للناخب نفسه.

فالديموقراطية لا تختزل في صناديق الاقتراع فقط، بل في نوعية الأشخاص الذين نمنحهم ثقتنا لتمثيلنا.

لأن المجالس ليست ملاعب، والمنتخب ليس مشجعا غاضبا، بل مسؤول يفترض فيه أن يكون قدوة في السلوك، قبل أن يكون صاحب قرار.

وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحا بإلحاح: أيُّ منتخب نريد لبناء مؤسسات تحترم المواطن وتحترم نفسها؟

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*