دار الورثة
خلال كلمة له نقل بنكيران عن رئيسة تنسيقية وطنية للتنظيمات النسائية للأحزاب السياسية قولها إنها خاطبته قائلة إن «منهن من قامت بتأسيس العمل النسائي، غير أن الأمين العام لحزبها عندما تعلق الأمر بالبرلمان “جاب أختو ولا مراتو ولا صاحبتو”. وهذا طبعا ليس بجديد في المشهد السياسي والحزبي المغربي، واليوم مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر المقبل، ارتفعت حدة الصراعات داخل الأحزاب السياسية حول تزكية الترشح لهذه الاستحقاقات، حيث يمارس قياديون ضغوطات لوضع بناتهم وزوجاتهم وعشيقاتهم على رأس اللوائح الجهوية المخصصة للنساء.
فمثلا، يمارس عبد الرحيم بن الضو «مول الفرماج» الذي أغلق القضاء الحدود في وجهه، ضغوطات على القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة لتزكية ابنته للترشح للانتخابات المقبلة، بعد إبعاده هو شخصيا بسبب ملاحقته في ملف معروض على القضاء يتعلق بأجبان «الذهب الأبيض».
وبحزب الحركة الشعبية يمارس رئيس لجنة الانتخابات، حميد كوسكوس، ضغوطات على الأمين العام للحزب من أجل ترشيح زوجته في اللائحة المحلية بإقليم تازة، وهي حاليا نائبة برلمانية عن طريق اللائحة الجهوية للنساء بجهة فاس مكناس، ويريد تعويضها بابنته التي تتابع دراستها بالخارج على رأس اللائحة الجهوية.
ومثله، يعتزم العربي المحرشي «مول الغرزة» إعادة ابنته وئام إلى مجلس النواب عن طريق ترشيحها في دائرة وزان، فيما يعتزم هو الترشح لمجلس المستشارين. وخلال الولاية البرلمانية الحالية، أفرزت نتائج الانتخابات فوز برلمانيين وبرلمانيات تربطهم علاقات القرابة العائلية، فتجد الأب يجلس تحت القبة إلى جانب ابنه أو ابنته، والزوج يجلس إلى جانب زوجته، وابن الأخ إلى جانب عمه، كما لو أن الأمر يتعلق بصالون مغربي وليس بمؤسسة تشريعية.
وهكذا فمن فرط تفرع أغصان الشجرات العائلية تحولت غرفة البرلمان إلى ما يشبه صالونا عائليا أغلب أعضائه تربطهم علاقات النسب والحسب، التي تصبح فوق كل اعتبار سياسي أو حزبي، لأن البرلمان بفضل هذه العلاقات تحول إلى ما يشبه «بؤرة عائلية» لقضاء المصالح الشخصية، وأحيانا العاطفية.
ويظهر من خلال لائحة برلمانيات اللوائح الجهوية، أن بعض الأحزاب مازالت تكرس «الريع» في اختيار المرشحات ضمن هذه اللوائح، من خلال اعتماد معيار القرابة العائلية، حيث فازت ضمن هذه اللوائح، مروى الأنصاري، وهي ابنة البرلماني السابق ورئيس مجلس جهة فاس مكناس الحالي، الاستقلالي عبد الواحد الأنصاري، وقد التقط المصورون صورة لها تحت القبة وهي جالسة إلى جانب زوجها المستشار البرلماني عثمان الطرمونية، رئيس الشبيبة الاستقلالية والذي ليس سوى ابن النائب البرلماني عن إقليم الجديدة، امبارك الطرمونية.
وكانت مروى الأنصاري قد فازت بمقعد برلماني عن طريق اللائحة الجهوية لنساء حزب الاستقلال بجهة فاس مكناس، وهي تشغل منصب أمينة مجلس المستشارين، فيما يشغل زوجها منصب رئيس لجنة القطاعات الإنتاجية، ما يوفر لهما امتيازات وتعويضات إضافية.
كما نصادف تحت القبة رئيس فريق الاتحاد الاشتراكي بمجلس النواب، عبد الرحيم شهيد، وهو يجلس إلى جانب زوجته النائبة زهيرة محسن، التي فازت بمقعد بمجلس المستشارين عن طريق لائحة نقابة الاتحاد المغربي للشغل، كما يجلس إلى جانب شقيقته مجيدة شهيد، التي حصلت على مقعدها البرلماني عن طريق اللائحة الجهوية لنساء حزب الاتحاد الاشتراكي بجهة درعة تافيلالت.
وقريبا من كل هؤلاء تجلس النائبة البرلمانية فاطمة الزهراء بنطالب، المنتخبة عن دائرة مراكش، باسم حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب والدها الحبيب بنطالب «مول المشة»، الذي انتخب مستشارا برلمانيا بمجلس المستشارين عن الغرف الفلاحية، وشقيقها عثمان بنطالب، الذي عوض الوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري بعد استقالتها من مجلس النواب، وهي بالمناسبة ابنة البرلمانية السابقة بمجلس النواب، جميلة عفيف. وكانت فاطمة الزهراء بنطالب مستشارة برلمانية في الولاية السابقة، جنبا إلى جنب مع والدها الحبيب بنطالب، تحت قبة مجلس المستشارين.
ولأن ثقافة العائلات تسربت إلى مقاعد البرلمان كان لزاما أن ينشأ عن ذلك علم اسمه المواريث. فالبرلمانيون لا يكتفون بإدخال أبنائهم وبناتهم وزوجاتهم إلى البرلمان بل إنهم يتركون لهم مقاعدهم كإرث أو صدقة جارية أو هبة.
وفي هذا الصدد نجد أن البرلمانية الشابة شيماء الزمزمي، ورثت مقعد والدها بمجلس المستشارين، حيث انتخبت مستشارة برلمانية عن صنف غرف الصناعة التقليدية، باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، وهي حاليا محامية لا علاقة لها بالصناعة التقليدية، وكان والدها عبد الرحيم الزمزمي، مستشارا برلمانيا بنفس الغرفة، ممثلا لغرف الصناعة التقليدية، باسم حزب التقدم والاشتراكية، قبل تقديم استقالته منه. وفي هذا المجمع العائلي تجلس شيماء إلى جانب عمها عبد الكريم الزمزمي، الذي انتخب نائبا برلمانيا عن دائرة سلا الجديدة، باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، وأيضا إلى جانب خالها حسن الفيلالي، الذي انتخب بنفس الحزب عن دائرة الخميسات تيفلت. وقد كانت قبل ذلك تجلس تحت قبة مجلس المستشارين إلى جانب جدها الطاهر الفيلالي، قبل عزله من طرف المحكمة الدستورية.
وهناك النائبة البرلمانية زينب السيمو عن جهة طنجة تطوان الحسيمة، وهي ابنة البرلماني ورئيس جماعة القصر الكبير، محمد السيمو، الذي تفوق على علال القادوس عندما أنقذ سكان مدينة القصر الكبير من الطوفان، وكانت وكيلة لائحة التجمع الوطني للأحرار بالجهة، وستكون إلى جانب والدها السيمو بمجلس النواب، مثله مثل البرلماني وعضو المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية، محمد لحموش، الذي يجلس إلى جانب ابنته سكينة، «مولات الكلب»، التي نالت مقعدها عن طريق اللائحة الجهوية لنساء الحركة الشعبية بجهة الرباط سلا القنيطرة، والتي ينوي ترشيحها في دائرة محلية بعدما استفادت من «ريع» اللائحة الجهوية، وفازت زينب أمهروق بمقعد برلماني بمجلس النواب عن طريق اللائحة الجهوية بصفتها وكيلة لائحة حزب الحركة الشعبية بجهة بني ملال خنيفرة، وهي ابنة القيادية بالحزب، حليمة العسالي، وأخت زوجة البرلماني والأمين العام لحزب الحركة، محمد أوزين، وهي تجلس إلى جانبه بمجلس النواب.
وعن جهة الدار البيضاء سطات، فازت سومية قديري، بصفتها وكيلة لائحة حزب الاستقلال، وهي أخت المستشار البرلماني وعضو اللجنة التنفيذية سابقا، فؤاد قديري، وأخت البرلماني عن نفس الحزب، طارق قديري، الذي عزله القضاء الإداري من رئاسة وعضوية جماعة برشيد.
وهناك حالات أخرى لبرلمانيين «مرضيين» انتخبوا في دوائر محلية يجلسون إلى جانب آبائهم، مثل عبد الصمد عرشان، الأمين العام لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، الذي انتخب برلمانيا عن دائرة الخميسات تيفلت، فيما انتخب والده، محمود عرشان، مستشارا برلمانيا بمجلس المستشارين.
وانتخب محمد ولد الرشيد، مستشارا برلمانيا بمجلس المستشارين عن جهة العيون الساقية الحمراء، ثم رئيسا للمجلس، باسم حزب الاستقلال، إلى جانب والده، حمدي ولد الرشيد، عضو اللجنة التنفيذية للحزب، الذي انتخاب نائبا برلمانيا بمجلس النواب عن دائرة العيون، وإلى جانب صهره، النعم ميارة، الذي انتخب بمجلس المستشارين باسم نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب.
كما يوجد البرلماني والقيادي بحزب الحركة الشعبية عادل السباعي الذي فاز بولاية ثالثة عن دائرة إقليم آسفي، إلى جانب والده امبارك السباعي «إمبراطور الرمال»، المستشار البرلماني لعدة ولايات بمجلس المستشارين منذ 26 سنة، والذي شغل منصب رئيس الفريق الحركي بالغرفة الثانية، خلال الولاية السابقة.
وحصلت أسرة البرنيشي على ثلاثة مقاعد برلمانية، حيث يجلس النائب البرلماني عن دائرة جرسيف، محمد البرنيشي، المنتخب بمجلس النواب باسم حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب ابنه سعيد البرنيشي، المنتخب بمجلس المستشارين عن مجلس جهة الشرق، وابن شقيقه، خالد البرنيشي، الذي انتخب كذلك مستشارا برلمانيا بمجلس المستشارين عن صنف غرفة الصناعة والتجارة والخدمات، وكلاهما انتخب باسم حزب «البام». كما يجلس النائب البرلماني، عبد الفتاح عمار، المنتخب عن دائرة سيدي بنور، إلى جانب شقيقه بوشعيب عمار الملقب بـ«ولد زروال»، الذي انتخب مستشارا برلمانيا بمجلس المستشارين عن مجالس الجماعات بجهة الدار البيضاء سطات.
وهناك برلمانيون أورثوا مقاعدهم لأبنائهم بعد تجريدهم من عضويتهم بمجلس النواب بسبب حالة التنافي إثر انتخابهم رؤساء لمجالس العمالات والأقاليم، ويتعلق الأمر بالبرلماني السابق جواد غريب الذي انتخب رئيسا للمجلس الإقليمي القنيطرة وترك مقعده لابنه محمد غريب، والبرلماني السابق نور الدين الأزرق، الذي انتخب رئيسا لمجلس عمالة سلا وترك مقعده لابنه عمر الأزرق.
ويبدو والله أعلم أن الحل الأخير المتبقي أمام هؤلاء السادة البرلمانيين لضمان استمرار «زريعتهم» داخل البرلمان هو أن يسجلوا المؤسسة التشريعية في أسمائهم وأسماء أبنائهم وزوجاتهم، هكذا سيضمنون بقاء نسلهم البرلماني إلى أن يرث الله البرلمان ومن بداخله.
كتبها: الصحفي ، رشيد نيني
rachidninyinfo@gmail.com
