فين كاين المشكل؟
النمذجة… حين يتحول المفهوم البيداغوجي إلى سؤال في التواصل العمومي
سياسي: رشيد لمسلم
“عدنا واحد طريقة النمذجة باش التلميذ يفهم كيفاش خصو يدير … هدي كلشي كيعترف بها”، هكذا صرح وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة خلال جلسة بمجلس النواب، في عبارة أثارت تفاعلا واسعا بين المتابعين، وفتحت باب النقاش حول طبيعة الخطاب التواصلي المرتبط بقضايا التربية والتعليم.
وبعيدا عن الجدل اللغوي الذي رافق طريقة التعبير، يبدو أن الوزير كان يحيل على مفهوم بيداغوجي معروف في علوم التربية، يتعلق بـ”النمذجة”، وهي مقاربة تعليمية تعتمد على تقديم نموذج عملي أو سلوكي يساعد المتعلم على فهم كيفية إنجاز مهمة معينة عبر المشاهدة والتطبيق التدريجي.
فالنمذجة، في بعدها التربوي، تقوم على أن يعرض الأستاذ أو المؤطر خطوات العمل بشكل واضح ومنظم، حتى يتمكن المتعلم من استيعاب المنهجية الصحيحة قبل الانتقال إلى مرحلة الإنجاز الذاتي.
وهي من الأساليب الحديثة المعتمدة في عدد من الأنظمة التعليمية، خاصة في ما يتعلق بتنمية الكفايات، وبناء المهارات العملية، وترسيخ التعلم بالممارسة.
غير أن ما أثار انتباه الرأي العام لم يكن المفهوم في حد ذاته، بقدر ما كان طريقة تقديمه داخل فضاء مؤسساتي رسمي يفترض أن يكون فيه الخطاب واضحا ودقيقا ومفهوما لدى عموم المواطنين.
فحين يتعلق الأمر بقطاع التربية الوطنية، فإن التواصل لا يقل أهمية عن الإصلاح نفسه، لأن المدرسة ليست مجرد مقررات وبرامج، بل أيضا لغة وخطاب وقدرة على تبسيط الأفكار وتقريبها من المجتمع.
لقد أصبح من الضروري اليوم أن تدرك المؤسسات العمومية أن نجاح أي مشروع إصلاحي يمر عبر وضوح الرؤية وحسن التواصل مع الرأي العام.
فالمواطن المغربي، والأستاذ، وولي أمر التلميذ، لا يبحثون فقط عن المصطلحات البيداغوجية الحديثة، بل ينتظرون خطابا قادرا على شرح هذه المفاهيم بلغة سلسة ومفهومة، بعيدا عن الغموض أو التعقيد أو الارتباك في التعبير.
إن وزارة التربية الوطنية، باعتبارها من أهم القطاعات الاستراتيجية، تتحمل مسؤولية مزدوجة: إصلاح المنظومة التعليمية من جهة، وبناء الثقة المجتمعية من جهة أخرى. وهذه الثقة لا تُبنى فقط عبر البرامج والمشاريع، وإنما أيضا من خلال خطاب مؤسساتي رصين، يحترم ذكاء المواطن ويجعل المفاهيم التربوية في متناول الجميع.
فقد يكون المقصود من “النمذجة” مفهوما علميا وتربويا مشروعا، لكن الإشكال الحقيقي يظل في كيفية تحويل المفاهيم الأكاديمية إلى لغة تواصلية واضحة، لأن الفكرة مهما كانت عميقة تفقد أثرها حين تعجز عن الوصول إلى الناس بشكل سليم.
وفي النهاية، تبقى قضية التعليم أكبر من مجرد مصطلح أو تعبير عابر، لأنها ترتبط بمستقبل أجيال كاملة، وبحاجة المجتمع إلى مدرسة حديثة، واضحة في رؤيتها، دقيقة في خطابها، وقادرة على تحويل المعرفة من لغة نخبوية معقدة إلى وعي جماعي مشترك.
