يا صاحبي … لا تحزن !!!؟
خاطرة بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين أكادير ماي 2026.
قال صاحبي: “عندي ظرف استثنائي طارئ؛ واقعة هزت أركان عرش شيدته لسنين، وأراه الآن ينهار أمامي. جاءتني الطعنة في عز محاولاتي إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن الشر مكار يسبقنا دوماً بتوجيه ضرباته، ويبقى كل ما في وسعنا هو جعلها طعنات غير قاتلة، حتى ينتصر الخير في الختام”.
يا صاحبي…
إذا قررت في هذه الحياة المادية أن تكون من الخيرين، فاستعد لطعنات الشر، واحرص ألا ينتصر شر غيرك على خيرك؛ فهذا العالم يبدو وكأنه لا يتسع للطيبين.
إن سر بقاء الخيرين على قيد الحياة -ولو بلا لذة عيش- هو إيمانهم بأن الروح من أمر ربي، وأن النفس أمارة بالسوء، وأن الباقيات الصالحات خير عند الله ثواباً وأبقى من المال والبنين.
أما المال، فقد قدم الله لنا فيه عبرة في فرعون وقارون، وفي حضارات بُنيت لتخلد، فانتهى بها المطاف أثراً وتاريخاً؛ ففي منظومة الكون انتهت كمادة، وفي منظومة الروح تركت عبرةً وموعظة.
أما البنون -سواء فهمناهم كذرية أو كبنيان- فقد ضرب الله لنا فيهم المثل بالأبناء؛ فكان الابن البار الذي خلد الله ذكره في قصة الذبيح إسماعيل وعيد الأضحى، وكان الابن العاق في حكاية نوح عليه السلام. لقد ذكر الله الابن البار بالوصف والاحتفاء، بينما أغفل اسم الابن العاق وأخرجه من ملة أبيه واعتبره “ليس من أهله” رغم أنه من صلبه.
أما البنيان والديار، فإن العالم يعلمنا كيف تظل البيوت العامرة آثاراً تحكي مجد أصحابها، بينما تُهدم بيوت أخرى لتفسح المجال لبنايات تواكب العصر.
وبقدر ما وصى الله بالأم وعظم مكانتها، نجد في قصص القرآن أن الأب هو من يتصدر مواجهة التحديات الكبرى، تماماً كما في قصة يوسف مع أبيه وإخوته. وعندما يعرض علينا الخالق حكاية نوح مع ابنه، فهو -تعالى عن التشهير- يقدم لنا العبرة التي يجب أن تعتبر بها الأقوام، تماماً كما ندون نحن أمجاد الأجداد في كتب التاريخ.
يا صاحبي…
في نهاية الأسبوع الماضي، قدم مدرب برشلونة درساً قاسياً في تقاطع الأقدار؛ ففي صبيحة “الكلاسيكو” توفي والده، ولو لم يكن متسلحاً بعقيدة العمل والانضباط لغاب عن يوم التتويج وبقي قابعاً في بيته يبكي فقيده، لكنه أدرك بروحه أن سعادة والده -لو كان حياً- هي أن يراه ناجحاً وهو يرفع كأس البطولة التي تمثل تتويجاً لرسالته ووظيفته.
عندنا الأمر مختلف؛ يموت العزيز فتتوقف الحياة، نُنكّس الأعلام ونوقف العمل لثلاثة أيام!
كل إنسان يحمل دواخله في بدنه؛ الناس يرون الأجسام متشابهة، لكن الأبدان تختلف؛ فبين سوية ومعاقة، وعليلة وصحيحة، وبين نفس شاردة وتائهة، ونفس منكسرة تجر الجسد كأشلاء، ونفس منطلقة تكسر الحواجز لتعانق الأرض والسماء.
يا صاحبي…
الأقدار مسارات قبل أن تكون اختيارات، وشرها وخيرها هو عصب الحياة وشغفها وامتحانها. وقبل الفراق الأخير، هناك “فراقات” في الدنيا تسبق الرحيل؛ فراق الناس وفراق الأمكنة. وبقدر ما يكون لكل فراق ألم، وشر ظاهر وخير مكنون، فإن الله وهبنا مقابل ذلك نعمة الصبر (إكسير الحياة) ونعمة النسيان التي تروض الروح على قبول مطبات الحياة؛ منذ لحظة مفارقة أمان الرحم، إلى الانفصال عن حليب الفطام.
الفقد في الحياة هو تلك الحلقة التي تربط محطات عمرك؛ يختبر قدرتك على أن تواصل وحيداً وترحل وحيداً. البؤساء حقاً هم من يموتون زرافات كما في الحروب ويدفنون في قبر جماعي، فالقبر كَالرحم لا يقبل شريكاً؛ فحتى التوائم في الرحم لكل منهما بيئة تكوينه، وإذا ما خرجا متلاحمين وجب فصلهما كي يستقل كل منهما بحياته.
يا صاحبي…
الضربات في الحياة موجعة، وكل ضربة بعبرة؛ فإن أبقتك على قيد الحياة فهي كـ “كدمات” تترك أثرها فيك، لكنها أيضاً قد تسبب انكساراً، والانكسار موت سريري يوقف الحركة ويقتل الشغف.
لكن كل ما تحطم يمكن ترميمه؛ وما عليك سوى إعادة ترميم ما تبقى منك بعد كل فراق لتواصل مشوارك في هذا الكون.
اغفر واستغفر؛ ولو كنت مطعوناً ابتسم، ولو كنت مغدوراً سامح، ولكن احذر كل الحذر أن تفقد روحك التي هي من أمر ربك. قل دوماً: “كل ما يفعله الله خير”، وتذكر: {إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً}. لا تفكر كثيراً في الغد هرباً من اليوم، فلو علمتم الغيب لاخترتم الواقع، وفي الأول والآخر: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا}.
يا صاحبي…
سِر في طريقك المقدر، ولا تلتفت خلفك، ولا تطل البحث عن الغد في السماء، فمن أدمن النظر إلى المستقبل تعثر في حفر الحاضر. امتلك نفسك وتمالكها، وأغرق روحك بالسكينة، ودع المخلوق للخالق؛ فالكون لله بكل كائناته، فلا تعاند قدرك وخالقك، ولا تتوهم أنك ستمتلك الكون، فالإنسان كان ظلوماً جهولاً منذ حَمِل الأمانة التي أبتها السموات والأرض.
فهل تعتبرون؟
