فنجان بدون سكر:
هل سنصل قريبا إلى “بث مباشر حصري… من إحدى حصص عذاب القبر ونعيمه “؟
بقلم: عبد الهادي بريويك
في مشهد بدا أقرب إلى سباق محموم نحو “اللقطة الحصرية”، التف عدد من الصحفيين والمصورين حول سيارة لنقل الأموات خلال مراسم دفن الفنان المغربي الراحل عبد الوهاب الدكالي، في صورة أثارت كثيرا من الاستياء والأسئلة الأخلاقية.
لم يكن المشهد مجرد تغطية إعلامية لرحيل قامة فنية كبيرة، بل بدا للبعض وكأنه انتهاك لصمت الموت وهيبته، وتحويل لحظة إنسانية ثقيلة إلى مادة استهلاكية سريعة.
الموت، في كل الثقافات، لحظة تستوجب الوقار.
وحين يغادر إنسان هذه الحياة، فإن أول ما يحتاجه المشهد هو مساحة من الاحترام: احترام لعائلته، لمحبيه، وللرمزية الإنسانية التي يحملها الجسد المسجى نحو مثواه الأخير. لكن ما حدث يعكس، بوضوح مؤلما، كيف تحول جزء من الإعلام المعاصر من ناقل للخبر إلى صياد للمشاهدات، حتى ولو كان الثمن دهس أبسط القيم الأخلاقية.
قد يكون من حق الجمهور أن يعرف، ومن واجب الصحافة أن توثق، لكن بين “التوثيق” و”الاقتحام” خيط رفيع.
وحين تُحاصر سيارة الموتى بالميكروفونات والكاميرات، يصبح السؤال مشروعا: هل ما يزال هناك حد فاصل بين المهنية والتطفل؟ بين التغطية الإعلامية واحترام حرمة الموت؟
الأكثر إثارة للقلق ليس فقط الصورة نفسها، بل ما ترمز إليه من انحدار تدريجي في الحس الإنساني أمام إغراء “الترند”. فكلما اتسعت شهية المنصات للسبق والإثارة، تقلصت مساحة التأمل والرحمة.
حتى صار المشاهد يتساءل بسخرية مريرة: هل سنصل قريبا إلى “بث مباشر حصري… من إحدى حصص عذاب القبر ونعيمه”؟
قد تبدو العبارة صادمة، لكنها ليست أبعد من منطق إعلام فقد أحيانا القدرة على التمييز بين ما يجوز تصويره وما ينبغي أن يبقى في دائرة الصمت والحرمة.
فحين يصبح كل شيء قابلا للبث، يصبح الإنسان نفسه مجرد محتوى.
إن الحاجة اليوم ليست فقط إلى مواثيق مهنية جديدة، بل إلى استعادة الضمير في ممارسة العمل الإعلامي.
لأن الكاميرا، مهما بلغت قدرتها على التقاط الصورة، تعجز عن تعويض قيمة الاحترام.
وبعض اللحظات لا تحتاج عدسة، بل تحتاج فقط أن نخفض رؤوسنا بصمت.
