من ديربي التنافس إلى ديربي الحقد…

قضية الأسبوع بامتياز

من ديربي التنافس إلى ديربي الحقد…

كتبها: محمد الروحلي.

لم يعد ما يجري بين الصفحات الرسمية، لناديي الوداد والرجاء، مجرد كلاشات عابرة، أو صراع منشورات، تهدف إلى رفع التفاعل على مواقع التواصل، بل تحول إلى انزلاق خطير ومرفوض، يهدد ما تبقى من صورة ديربي الدار البيضاء، كواجهة رياضية تاريخية، يفترض أن تعكس تنافساً راقياً، لا تحريضاً مقنعاً ومشاحنات رخيصة.

والمؤسف حقاً أن هذا السقوط المدوي، لم يصدر عن جماهير متعصبة، أو صفحات مجهولة تبحث عن الإثارة، بل جاء من منصات رسمية تتحدث باسم ناديين، يفترض أنهما يقودان المشهد الرياضي الوطني، بالقيم والنضج والمسؤولية والسلوك الحضاري… فعندما تتحول الصفحات الرسمية، إلى أدوات استفزاز وسخرية وتلميحات عدائية، يتجاوز الأمر حدود الإبداع الرقمي، ليصبح صناعة مباشرة للاحتقان، وتأجيج الكراهية بين الجماهير.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة، أن بعض القائمين على التواصل الرقمي، داخل الناديين فقدوا البوصلة تماماً. ففي وقت تعيش فيه الملاعب الوطنية، على وقع تنامي العنف والتخريب والشحن الخطير، كان ينتظر من الإدارتين أن تساهما في التهدئة، وتقديم خطاب مسؤول، يليق بمكانة الفريقين قارياً ودولياً، لا أن تنخرطا في سباق عبثي لصناعة البوز على حساب الأمن الرياضي والسلم الجماهيري.

ما وقع قبل الديربي الأخير، أُقيم أصلاً بدون جمهور، بسبب حساسية الظرف، يكشف حجم التناقض الصارخ، لأن الدولة والأجهزة الأمنية والجامعة والعصبة، تسعى لتطويق الاحتقان، بينما تصب الصفحات الرسمية الزيت على النار، بمنشورات مستفزة تحول المنافس من خصم رياضي إلى عدو يسخر منه ويستفزه، أمام مئات الآلاف من المتابعين.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فهذه المنشورات لا تبقى حبيسة العالم الافتراضي، بل تتحول بسرعة إلى وقود ميداني، يترجم في الشوارع ومحيط الملاعب، إلى تخريب واعتداءات وعنف متبادل، واجرام حقيقي.

وما تعرض له باب مركب محمد بنجلون من تخريب، وما رافق نهاية اللقاء من توتر، بسبب نشر الصور والملصقات حول مركب الوازيس، ليس سوى نتيجة طبيعية، لمناخ مشحون تم تصنيعه رقمياً قبل صافرة البداية بوقت طويل.

والأكثر إثارة للقلق، أن حذف المنشورات بشكل مفاجئ يعكس إدراكاً متأخراً لخطورة ما حدث، أو ربما استجابة لتحذيرات خارجية، لكن الحذف لا يمحو الأثر، فالرسائل وصلت، والاحتقان اشتعل، والجماهير التقطت الإشارات العدائية بكل تفاصيلها.

إن ما جرى يفرض اليوم فتح نقاش جدي حول مسؤولية الصفحات الرسمية للأندية، وحدود التفاعل الرقمي المسموح به. فالأندية ليست شركات ترفيه رقمي، بل كيانات ذات تأثير اجتماعي ونفسي واسع، خاصة في ديربي بحجم الرجاء والوداد، حيث كلمة واحدة أو صورة مستفزة، قد تشعل ما لا يمكن إطفاؤه بسهولة.

فأي صورة نريد أن نسوقها للخارج؟ وكيف نتحدث عن الاحترافية وتخليق الممارسة الرياضية، بينما الصفحات الرسمية نفسها تنزلق إلى خطاب الاستفزاز والتأجيج؟ وكيف نطالب الجماهير بالروح الرياضية، بينما الرسائل الصادرة من فوق تحمل كل معاني السخرية والتحدي غير الصحي؟

والحقيقة التي لا مفر منها، أن ما وقع قبل ديربي هذا الموسم، يمثل منحى خطيراً، ويؤكد أن بعض المكلفين بالتواصل داخل الأندية، لم يستوعبوا بعد حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وأن النضج لا يقاس بعدد المتفاعلين والإعجابات، بل بالقدرة على حماية صورة النادي، والمساهمة في تهدئة الأجواء، واحترام قيمة المنافس.

لقد آن الأوان لوضع ضوابط صارمة للتواصل الرسمي للأندية، وربط الحرية الرقمية بالمسؤولية الأخلاقية، لأن كرة القدم الوطنية، لم تعد تحتمل المزيد من العبث، ولا المزيد من الوقود الذي يغذي ثقافة الكراهية والانقسام تحت غطاء الكلاش والإبداع.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*