قراءة في “خواطر حمار”

ثقافة وفكر:

قراءة في “خواطر حمار”

بقلم عبدالهادي بريويك 

وأنا أتجول بين أروقة المعرض الدولي للكتاب والنشر بالرباط في دورته الأخيرة ، مستسلما لذلك السحر الذي تصنعه الكتب حين تتجاور على الرفوف كأنها عوالم تنتظر من يكتشفها، استوقفني عنوان غريب ومثير للتأمل: “خواطر حمار”.

كان العنوان وحده كافيًا ليستفز فضولي؛ كيف يمكن لحمار أن يكتب خواطر؟ وكيف لحيوان ارتبط في المخيال الشعبي بالغباء والعناد أن يتحول إلى صوت يتأمل الحياة والناس؟

دفعتني هذه الأسئلة إلى اقتناء الكتاب، وما إن أبحرت بين أسطره حتى اكتشفت أنني أمام نص يتجاوز بساطته الظاهرة، إذ يقدم مذكرات فلسفية وأخلاقية على لسان حمار يروي آلامه وتجربته مع البشر، كاشفا عبر نظرته البريئة كثيرا من القسوة والتناقض في العالم الإنساني. ومع توالي الصفحات، لم أعد أقرأ حكاية حيوان بقدر ما كنت أقرأ شيئا من ذواتنا نحن البشر؛ لذلك وجدت نفسي داخل هذا النص.

قد تعد رواية خواطر حمار للكاتبة “الكونتيسة دي سيجور “من الأعمال التي تتجاوز ظاهرها الحكائي البسيط لتقدم رؤية نقدية للإنسان والمجتمع.

فعلى الرغم من أن الرواية تعتمد حيوانا راويا للأحداث، فإنها في العمق تنشغل بقضايا إنسانية مثل القسوة والرحمة والعزلة ومعاناة الكائن الضعيف داخل عالم تحكمه السلطة والقوة.

اعتمدت الكاتبة على مفارقة غريبة، حين جعلت الحمار المرتبط شعبيا بالغباء والعناد ، شخصية حساسة تمتلك قدرة على التفكير والشعور والتأمل.

ومن خلال هذه المفارقة، يتحول الحمار إلى مرآة أخلاقية تكشف سلوك البشر وتناقضاتهم، حيث يبدو أكثر إنسانية من بعض الشخصيات التي تعاملت معه بعنف واستغلال.

وتتجلى قوة البعد النفسي في الرواية خاصة في الفصل التاسع حين يقول الحمار:

“وقضى الله بعد ذلك أن أبقى وحدي في المرج فكنت محزونا، وكان ذيلي المجروح من عضة حمار المسابقة يؤلمني”

يكشف هذا المقطع عن عمق المعاناة النفسية للشخصية، فالألم هنا لا يقتصر على الجرح الجسدي، بل يمتد إلى شعور بالعزلة والانكسار.

فالوحدة في “المرج” تمنح المشهد طابعا حزينا وتأمليا، بينما يصبح “الذيل المجروح” رمزا للأثر الذي تتركه القسوة في النفس.

كما أن الكاتبة اعتمدت لغة بسيطة ومباشرة، غير أن هذه البساطة نفسها منحت النص صدقا عاطفيا مؤثرا، إذ يتحدث الحمار بعفوية الكائن المتألم لا بلغة الوعظ أو الشكوى المصطنعة.

ومن خلال تنقل الحمار بين عدد من الملاك، تبني الرواية سلسلة من الاختبارات الأخلاقية التي تكشف تفاوت البشر بين الرحمة والقسوة.

فالشخصيات في النص لا تُقدم بوصفها نماذج نفسية معقدة، بل باعتبارها رموزا أخلاقية تمثل أنماطا اجتماعية مختلفة: المستغل، الرحيم، القاسي، والأناني.

ورغم أن هذا التبسيط قد يضعف أحيانا العمق الفني للشخصيات، فإنه يخدم الرسالة الإنسانية التي تسعى الرواية إلى إيصالها.

كما نجحت الكاتبة في استخدام السرد بلسان الحيوان لتخفيف مباشرة الخطاب الأخلاقي، فالقارئ لا يتلقى موعظة جاهزة، بل يعيش الألم من الداخل ويتولد لديه التعاطف تدريجيا.

ولهذا تبدو الرواية أكثر تأثيرا مما يوحي به شكلها البسيط.

أما ترجمة حسين الجمل فقد حافظت على سلاسة النص وروحه الهادئة، وأسهمت في نقل أبعاده الإنسانية إلى القارئ العربي بلغة واضحة ومؤثرة.

وفي النهاية، تؤكد الرواية أن قيمة الإنسان لا تُقاس بقوته، بل بطريقة تعامله مع الكائنات الأضعف منه.

ومن هنا تظل خواطر حمار نصًا إنسانيًا يحمل بعدًا نقديًا وأخلاقيًا يتجاوز زمن كتابته ويظل قادرًا على ملامسة القارئ حتى اليوم.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*