حين تصاب الذاكرة الجماعية بالسطحية: 16 ماي وبوصلة الوعي الوطني

*حين تصاب الذاكرة الجماعية بالسطحية: 16 ماي وبوصلة الوعي الوطني*

*بقلم الكاتبة: نادية واݣرار*

في كل سنة تمر ذكرى 16 ماي، تعود الأسئلة القديمة بصمت ثقيل: ماذا تعلمنا؟ وماذا بقي في الذاكرة المغربية… نذكر بذلك الزلزال الذي لم يهز فقط أركان العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء بل هزّ صورة المغرب عن نفسه وعن أمنه، وعن هشاشته الاجتماعية وكذا معنى مفهوم الاستقرار بالبلاد؟

المؤلم اليوم ليس فقط أن الأجيال الجديدة لا تعرف تفاصيل تلك الأحداث الإرهابية الأليمة بل إن الذاكرة الجماعية نفسها أصبحت تنزلق تدريجيا نحو هوامش تافهة!!!! 

 ذاكرة تستهلكها التفاهة الرقمية والضجيج اليومي العابر….بينما تتراجع الأحداث المفصلية التي صنعت تحولات عميقة في بنية الدولة والمجتمع إلى الخلف، وكأنها مجرد أرشيف منسي…

لقد كانت أحداث 16 ماي 2003 لحظة فارقة في التاريخ المغربي الحديث… إذ لم تكن مجرد تفجيرات معزولة أو حدثا عابرا بل صدمة بنيوية كشفت أن الأمن ليس مجرد رجل شرطة يحرس الشارع بل هو منظومة متكاملة تبدأ من المدرسة، وتمر بالحي وتتغذى على العدالة الاجتماعية والخطاب الديني المتوازن ثم التنمية المستدامة التي تحفظ كرامة الإنسان قبل أن تحاصر انحرافه.

قبل تلك اللحظة المفصلية، كان جزء من المجتمع ينظر إلى الجهاز الأمني بنظرة تقليدية بسيطة تختزله في أبعاد السلطة أو المراقبة أو التدخل المناسباتي.

لكن الما بعد 16 ماي غيّر جدريا العقيدة الأمنية والجمعية معا… إذ أدرك المغاربة أن الأمن ليس رفاهية سياسية بل ركيزة وجودية لاستقرار الدولة والمجتمع…

 ومنذ ذلك التاريخ، دخل المغرب مرحلة إعادة بناء عميقة لمنظومته الأمنية؛ استخباراتيا، وميدانيا، واستراتيجيا، إلى درجة أصبح معها النموذج المغربي في مكافحة الإرهاب والاستباق الأمني مرجعاً يحظى بالاحترام إقليمياً ودولياً.

غير أن اختزال هذه المرحلة في المقاربة الأمنية الصرفة سيكون تزييفا للتاريخ وظلما للحقيقة.

فالصدمة جعلت صانع القرار يدرك أن التطرف لا يولد فقط من النصوص المنحرفة والآيديولوجيات الظلامية بل يتغذى بالأساس على الهشاشة والإقصاء وتهميش الأحياء الهامشية و ايضا على إنسان يشعر بأنه خارج مفاعيل التنمية ومعنى الوطن.

ومن رحم هذا الوعي السياسي الجديد، ولدت تحولات كبرى أعادت صياغة النموذج التنموي، وعلى رأسها إطلاق “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” والتي لم تكن مجرد برنامج اجتماعي إحساني بل رؤية استراتيجية سعت إلى إعادة ترميم العلاقة بين المواطن وكرامته، وبين التنمية والاستقرار…

لقد استوعب المغرب في وقت مبكر، أن الأمن الحقيقي لا يبنى بالقبضة الحديدية أو بكاميرات المراقبة والحواجز فقط، بل يبنى ببناء الإنسان وتحصينه.

ولهذا السبب، تلازمت المقاربة الأمنية والتنموية مع ثورة هادئة في هندسة الشأن الديني؛ تمثلت في إعادة هيكلة الحقل الديني، وتأطير الفتوى، وتجفيف منابع الفكر المتطرف عبر نشر قيم الاعتدال، بالتوازي مع إعادة التفكير في السياسات العمومية الموجهة للشباب والثقافة.

لكن السؤال المقلق الذي يفرض نفسه اليوم بضمير سياسي حي: لماذا تتراجع هذه الذاكرة الحية أمام صعود ذاكرة استهلاكية سريعة ومبتذلة؟ لماذا أصبح الفضاء الرقمي يتذكر تفاصيل الفضائح العابرة و”التريندات” الجوفاء أكثر مما يتذكر المحطات العميقة التي غيّرت مصير أمة؟ ولماذا تصر المنصات الرقمية على صناعة “بطولات وهمية” من الفراغ، بينما يتم تجاهل الملاحم التاريخية التي صنعت وعياً وطنياً حقيقياً دفع المغرب ثمنه دماً وعرقاً؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات المعاصرة ليس النسيان في حد ذاته، بل “فقدان البوصلة” والقدرة على ترتيب أولويات الأشياء.

فحين تصبح التفاهة اليومية أكثر حضوراً وتأثيراً من الذاكرة الوطنية المشتركة، يتحول الوعي الجماعي إلى مساحة هشة ومستباحة، يسهل اختراقها بالشعبوية، والجهل، والآيديولوجيات المستوردة…

إن استحضار ذكرى 16 ماي اليوم ليس نكأً للجراح ولا تمجيدا لثقافة الخوف، بل هو تذكير سياسي وفلسفي بقيمة الاستقرار وبالثمن الباهظ الذي تدفعه الشعوب حين يترك الإنسان وحيدا في مواجهة الجهل واليأس… إنه اعتراف صريح بأن قوة المغرب تجلت في كونه لم يواجه الرصاص بالرصاص فقط، بل واجهه برؤية شمولية تقوم على “الأمن الإنساني” في أبعاده الروحية، والاجتماعية، والتنموية…

الذاكرة الوطنية ليست أرشيفا باردا يودع في الخزائن بل هي بوصلة وعي للمستقبل.

والأمم التي تنسى منزلقاتها التاريخية ولحظاتها المفصلية، تفقد مناعتها الجماعية، وتصبح أكثر عرضة لتكرار خطايا الماضي وأكثر هشاشة أمام ضجيج عابر يستهلك العقول دون أن يبني وعيا أو يؤسس لمستقبل.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*