حينما زفت الحكومة صرف الأجور يوم 20 ماي بمناسبة عيد الأضحى: الموظف بين فرحة السبق وهواجس ما بعد العيد
فنجان بدون سكر:
حينما زفت الحكومة صرف الأجور يوم 20 ماي بمناسبة عيد الأضحى: الموظف بين فرحة السبق وهواجس ما بعد العيد
الحقيقة المؤجلة حسب استطلاعات وروايات رواد الطوبيس:
بقلم: عبد الهادي بريويك
في المغرب، لم يعد العيد مناسبة للفرح الخالص، بل صار عند فئات واسعة موسما للقلق الجماعي المؤجل.
لذلك، حين خرجت الحكومة تزف للموظفين والمستخدمين خبر تقديم صرف الأجور إلى 20 ماي، بدا الأمر وكأنه “إنجاز اجتماعي” يستحق التصفيق. امتلأت مواقع التواصل بعبارات الترحيب، واعتبر البعض أن الدولة “راعت” ظروف المواطنين قبل عيد الأضحى.
لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع، هي أن الحكومة لم تمنح الموظف شيئا إضافيا، بل منحته فقط فرصة استهلاك راتبه قبل موعده، وكأنها تقول له: “اصرف يونيو في ماي، ثم دبر رأسك بعد العيد”.
الفرحة كانت قصيرة جدا… قصيرة لدرجة أنها انتهت عند أول جولة في الأسواق.
فالموظف الذي سحب راتبه مبكرا، وجد نفسه أمام أسعار ملتهبة لا ترحم:
ثمن الأضحية، النقل، الفحم، الملابس، مستلزمات الأطفال، وتكاليف التنقل نحو المدن والقرى لقضاء العيد مع العائلة. كل شيء ارتفع، وكأن السوق أعلن عيده الخاص على جيب المواطن.
وكان الأجدر بحكومة تعرف جيدا حجم الأزمة الاجتماعية، ألا تكتفي بتقديم الأجور كعملية تقنية فارغة من أي أثر حقيقي، بل أن ترافق ذلك بإجراءات ملموسة تخفف الضغط عن الأسر المغربية.
كان بإمكانها، على الأقل، أن تعلن خفضا مؤقتا لأسعار النقل العمومي خلال فترة العيد، لأن آلاف الأسر تؤدي نصف راتبها فقط للوصول إلى أهلها.
وكان بإمكانها أن تتدخل استثنائيا لتخفيف أسعار المحروقات لبضعة أيام، حتى لا يتحول السفر إلى رفاهية، وحتى لا ترتفع أسعار نقل البضائع والخضر والمواد الغذائية بشكل جنوني مع كل مناسبة.
لكن يبدو أن الحكومة اختارت الحل الأسهل:
تقديم الراتب… وترك المواطن وحيدا في مواجهة السوق.
أي منطق هذا الذي يجعل الدولة “تحتفل” بتسبيق الأجور، بينما المواطن يؤدي ثمن كل شيء مضاعفا؟
وأي معنى لراتب مبكر إذا كانت الأسعار تبتلعه في ساعات؟
بل إن المفارقة الأكثر قسوة، أن كثيرا من الموظفين يعلمون منذ الآن أنهم سيدخلون يونيو مفلسين.
سيبدأ شهر كامل بلا قدرة على الأداء، بلا هامش للخطأ، وبلا حتى حق المرض أو الطوارئ.
فكم من أب سيتلعثم أمام إدارة مدرسة خاصة مبررا تأخره في الأداء بـ”العيد”؟
وكم من موظف سيختبئ من “مول الحانوت” بعدما “جغمط” دين شهر كامل فقط ليشتري الأضحية؟ وكيف سيطلب منه فتح صفحة جديدة من المواد الأساسية إلى نهاية شهر آخر؟ كيف سيتفهم الواحد الآخر ؟
وكم من زوجين ستشتعل بينهما الخلافات بسبب شعيرة دينية تحولت عند بعض الأسر إلى قنبلة مالية موقوتة؟
لقد صار العيد عند البعض امتحانً للقدرة على الصمود الاقتصادي، لا مناسبة للسكينة والرحمة.
والمؤلم أن الحكومة تتحدث بلغة الأرقام والنسب، بينما المواطن يعيش بلغة “السلف” و”الكريدي” و”حتى يفرج الله”.
فالطبقة المتوسطة التي كانت بالأمس صمام أمان المجتمع، صارت اليوم تتآكل ببطء، تُقاوم فقط حتى تحافظ على المظاهر، أما الداخل فمثقل بالديون والاختناق.
بعد “القطبان” و”بولفاف” و”الشوى”، يعود الموظف إلى الحقيقة العارية:
جيب فارغ، التزامات متراكمة، وأسعار لا تنزل أبدا.
ثلاثون يوما كاملة تنتظر من لم يتبقَّ له من راتبه سوى ذكرى السحب من الشباك البنكي.
المواطن لم يكن يحتاج فقط إلى راتب مبكر…
كان يحتاج إلى حكومة تشعر فعلا بثقل الحياة اليومية، لا أن تكتفي بحركة محاسباتية تقدّم كأنها فتح اجتماعي عظيم.
“كما قالها لي يوما واحد العشير ..نسميه يوم النكبة المؤجلة”
