حين تُترك مقاعد البرلمان فارغة أمام تقارير المال العام

حين تُترك مقاعد البرلمان فارغة أمام تقارير المال العام

أين غاب نواب الأمة يوم 12 ماي 2026؟

سياسي: رشيد لمسلم

لم تكن الجلسة العمومية المنعقدة يوم الثلاثاء 12 ماي 2026 بمجلس النواب المغربي جلسة عادية داخل الأجندة التشريعية، بل شكلت محطة دستورية ورقابية بالغة الأهمية، خُصصت لمناقشة التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025، باعتباره المؤسسة الدستورية المكلفة بمراقبة المالية العمومية وتتبع أوجه صرف المال العام.

غير أن ما طبع هذه الجلسة لم يكن حجم الاختلالات التي كشفها التقرير فقط، بل الغياب الواسع للنواب عن حضورها، في مشهد أعاد إلى الواجهة أزمة الالتزام السياسي داخل المؤسسة التشريعية.

فبحسب المعطيات المتداولة، سجلت الجلسة غياب حوالي 303 نواب من أصل 395 عضوًا بمجلس النواب، مقابل حضور محدود لأعضاء من الأغلبية والمعارضة، وهو ما أثار موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مدى جدية التعاطي مع واحدة من أهم لحظات الرقابة البرلمانية المرتبطة بحماية المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وأمام هذا المشهد، يبرز سؤال ثقيل الدلالة: أين غاب نواب الأمة يوم كانت المؤسسة التشريعية تناقش تقارير الرقابة على المال العام؟

إن خطورة الغياب لا ترتبط فقط بالأرقام، بل بطبيعة الجلسة نفسها.

فمناقشة تقارير المجلس الأعلى للحسابات ليست إجراءً بروتوكوليًا عابرًا، بل تمثل لحظة محورية لتقييم السياسات العمومية وكشف مكامن الخلل في التدبير الإداري والمالي للمؤسسات العمومية والجماعات الترابية.

وبالتالي، فإن تغيّب أغلبية النواب عن هذه الجلسة يفرغ الدور الرقابي للبرلمان من محتواه الحقيقي، ويضعف ثقة المواطن في فعالية المؤسسات المنتخبة.

قانونيًا، يُلزم النظام الداخلي لمجلس النواب البرلمانيين بحضور الجلسات العامة، خاصة تلك المرتبطة بالرقابة والمساءلة.

كما ينص على إجراءات تأديبية تشمل التنبيه والاقتطاع من التعويضات المالية في حالات الغياب غير المبرر.

غير أن تكرار الظاهرة رغم هذه المقتضيات يكشف أن الأزمة لم تعد أزمة قوانين، بل أزمة التزام سياسي وأخلاقي في ممارسة الوظيفة التمثيلية.

أما أخلاقيًا، فإن غياب النواب عن جلسة بهذا الحجم يطرح إشكالًا أعمق يتعلق بمفهوم المسؤولية تجاه المواطنين. فالنائب البرلماني لا يُنتخب فقط لحضور المناسبات السياسية أو الظهور الإعلامي، بل لتحمل مسؤولية الدفاع عن مصالح الشعب ومراقبة تدبير المال العام باسم الأمة. وعندما تتحول المقاعد الفارغة إلى مشهد متكرر داخل البرلمان، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن تكون شديدة السلبية: هناك من يعتبر التمثيل البرلماني امتيازًا أكثر منه تكليفًا ومسؤولية.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع تسجيل غياب عدد من أعضاء الحكومة عن الجلسة نفسها، بما يعكس ضعف التفاعل المؤسساتي مع تقارير يفترض أن تشكل أساسًا للنقاش العمومي حول الحكامة والشفافية والمحاسبة.

إن ما حدث يوم 12 ماي 2026 لا ينبغي أن يُقرأ فقط كواقعة عابرة داخل البرلمان، بل كمؤشر سياسي مقلق على أزمة ثقة متنامية بين المواطن والمؤسسات المنتخبة. فالديموقراطية لا تُقاس فقط بوجود المؤسسات، بل بمدى احترام الفاعلين السياسيين لوظائفها الدستورية وللثقة الشعبية التي يحملونها.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الذي يطرحه المغاربة مشروعًا: كيف يمكن الحديث عن ترسيخ دولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة، بينما يغيب ممثلو الأمة عن جلسات مساءلة المال العام؟

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*