حين تصعد المرأة المغربية إلى القمم… يصعد الوطن إلى القمة
خديجة الكور
رئيسة منظمة النساء الحركيات
لم يكن ما حققته المتسلقة المغربية نوال سفندلة مجرد إنجاز رياضي عابر، ولا مجرد صورة لعلم مغربي يرفرف فوق قمم الهيمالايا.
لقد كان لحظة وطنية وإنسانية عميقة، لحظة تقول إن المرأة المغربية قادرة على اقتحام أكثر المجالات قسوة، وتحويل الحلم إلى فعل، والخوف إلى انتصار، والارتفاع إلى رسالة.
أن تنجح امرأة مغربية في تسلق قمتي “إيفرست” و”لوتسي” في دفعة واحدة، فذلك ليس تحدياً رياضياً فقط، بل هو إعلان رمزي عن ميلاد صورة جديدة للمرأة المغربية في الوعي العالمي: امرأة لا تكتفي بالحضور، بل تصنع الحدث، وتعيد تعريف المستحيل.
في الرياضات القاسية، حيث ينهار الجسد تحت ضغط الارتفاع، وحيث يصبح الأوكسجين نادراً، والخطأ قاتلاً، لا يبقى سوى الإيمان والإرادة والانضباط.
وهناك بالضبط، كتبت نوال سفندلة اسم المغرب بحروف من ثلج وصبر وكبرياء.
لكن أهمية هذا الإنجاز تتجاوز حدود الرياضة.
فاليوم، لم تعد الرياضة مجرد منافسة على الميداليات، بل أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الحديثة. الدول لم تعد فقط تُعرف باقتصادها أو جيوشها، بل أيضاً بصورتها الإنسانية والثقافية والرياضية.
وكل بطلة ترفع علم بلادها في المحافل الدولية، إنما تمارس شكلاً راقياً من أشكال الدبلوماسية الوطنية.
لقد أدرك المغرب مبكراً أهمية هذا البعد، لذلك كان التفاعل الملكي السريع مع هذا الإنجاز رسالة سياسية ورمزية قوية. فالبرقية الملكية التي توصلت بها نوال سفندلة لم تكن مجرد تهنئة، بل اعتراف رسمي بقيمة الرياضة النسائية كرافعة لصورة المغرب الحديثة، وكجسر يربط الوطن بالعالم عبر قيم التحدي والتميز والانفتاح.
فالمرأة الرياضية اليوم أصبحت سفيرة غير رسمية لبلدها. حين تفوز، لا تنتصر لنفسها فقط، بل تقدم للعالم نموذجاً عن مجتمعها، عن مستوى تطوره، وعن مكانة النساء داخله. ولهذا فإن الاستثمار في الرياضة النسائية ليس ترفاً، بل خياراً استراتيجياً يمس صورة الدولة ونفوذها الرمزي.
ورغم التطور الذي عرفته الرياضة النسائية المغربية خلال السنوات الأخيرة، فإن الطريق ما يزال طويلاً.
فما تزال كثير من الرياضيات يعانين من ضعف البنيات التحتية، وقلة الدعم الإعلامي، والهشاشة الاجتماعية، وغياب المواكبة النفسية والاحترافية.
كما أن بعض الرياضات النسائية لا تزال تواجه نظرة مجتمعية تقليدية تعتبر التفوق الرياضي مجالاً ذكورياً.
ومع ذلك، تواصل المرأة المغربية كسر الحواجز. من الملاعب إلى الحلبات، ومن المضامير إلى الجبال، تثبت المغربيات أن الإرادة لا جنس لها، وأن الوطن الذي يؤمن بنسائه يستطيع أن يصنع المعجزات.
إن قصة نوال سفندلة ليست فقط قصة متسلقة جبال، بل قصة مغرب يصعد بدوره نحو قمم جديدة؛ مغرب يدرك أن تمكين النساء لا يمر فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل أيضاً عبر صناعة النماذج الملهمة، ودعم الأحلام الكبيرة، وفتح المجال أمام الفتيات لكي يؤمنّ أن السماء ليست سقفاً لطموحاتهن.
لقد صعدت نوال إلى أعلى قمة في العالم، لكنها في الحقيقة أعادت رفع سقف أحلام جيل كامل من المغربيات.
وحين تصعد المرأة المغربية إلى القمم… يصعد الوطن معها.
