عندما تصبح الحافلات بديلا عن الإقناع السياسي… هل تكفي القاعات الممتلئة لصناعة الشرعية الشعبية؟
ساسي : رشيد لمسلم
في المشهد السياسي المعاصر، لم يعد امتلاء القاعات معيارا كافيا للحكم على نجاح أي لقاء حزبي، وهذا ما تحاول ان تفعله غالبية الأحزاب عندنا…
فالصورة التي تلتقطها الكاميرات قد تعكس كثافة الحضور، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم: هل جاء هؤلاء بدافع الاقتناع، أم نتيجة ترتيبات لوجستيكية هدفت إلى صناعة مشهد جماهيري في سياق تلميع الوجه السياسي في أفق انتخابات 23 شتنبر2026؟
اللقاء الذي نظمته شبيبة حزب التجمع الوطني للأحرار بأكادير أعاد هذا النقاش إلى الواجهة، بعد تداول صور ومعطيات تشير إلى الاستعانة بعدد كبير من الحافلات لنقل المشاركين إلى قاعة النشاط.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن القضية تتجاوز مجرد توفير وسائل النقل، لتطرح إشكالًا سياسيًا يتعلق بطبيعة العلاقة بين الحزب وجمهوره.
فالعمل السياسي، في جوهره، يقوم على استقطاب المواطنين عبر قوة الأفكار، ووضوح البرامج، ومصداقية الخطاب.
أما عندما يصبح الرهان منصبا على امتلاء القاعات بأي وسيلة تنظيمية، فإن الرسالة السياسية نفسها تصبح محل تساؤل.
فالحزب الذي يملك قاعدة جماهيرية متماسكة لا يحتاج إلى صناعة الحضور بقدر ما يحتاج إلى توفير فضاء يستوعب الإقبال الطبيعي.
كما يثير هذا النوع من الأنشطة أسئلة مشروعة حول الكلفة المالية للتعبئة والتنظيم.
فتأمين عشرات الحافلات، وتغطية المصاريف اللوجستية، وتجهيز اللقاءات الكبرى، كلها عمليات تستوجب ميزانيات مهمة.
ومن حق الرأي العام أن يتساءل عن مصادر تمويل هذه الأنشطة، ومدى انسجامها مع مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة التي ترفعها الأحزاب في خطاباتها.
الأهم من ذلك أن المبالغة في البحث عن “الصورة الجماهيرية” قد تأتي بنتائج عكسية.
ففي عصر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح المواطن أكثر قدرة على التمييز بين الحضور التلقائي والحضور المنظم.
ولم تعد القاعات الممتلئة وحدها تقنع الرأي العام بوجود امتداد شعبي حقيقي، بقدر ما يقنعه النقاش الحر، والتفاعل الصادق، والحضور الذي يأتي بإرادة أصحابه.
إن الرهان الحقيقي للأحزاب السياسية اليوم ليس في ملء القاعات، وإنما في ملء فراغ الثقة الذي اتسع بين المواطن والعمل الحزبي والفاعل السياسي.
فالثقة لا تنقل بالحافلات، ولا تصنع بعدسات الكاميرات، بل تبنى بالتراكم، وبالوفاء بالوعود، وبالقدرة على تقديم حلول واقعية لانشغالات المواطنين.
وفي النهاية، قد تنجح الحافلات في إيصال المشاركين إلى قاعة اللقاء، لكنها لا تستطيع نقل القناعة إلى العقول، ولا ترميم فجوة الثقة في النفوس.
فالجمهور الحقيقي لا يُقاس بعدد المقاعد المشغولة، بل بعدد المواطنين الذين يختارون الحضور لأنهم يؤمنون بالفكرة، لا لأنهم وجدوا وسيلة نقل تقلهم إلى مكان الحدث.
