وأسدل الستار… عن المشهد البرلماني

وأسدل الستار… عن المشهد البرلماني

في انتظار برلمان 23 شتنبر… هل انتصرت التشريعات أم انتصرت الأزمات؟

سياسي : رشيد لمسلم

ليس من الصعب أن يكتب البرلمان حصيلته بالأرقام.

فعدد القوانين المصادق عليها، والجلسات المنعقدة، والأسئلة الموجهة إلى الحكومة، كلها مؤشرات تجد مكانها في التقارير الرسمية.

لكن التاريخ السياسي لا يكتب بالإحصاءات وحدها، بل بما يبقى عالقا في ذاكرة الناس.

وعندما يطوي البرلمان المغربي صفحة الولاية التشريعية 2021-2026، فإنه يغادر المشهد تاركا خلفه مفارقة لافتة: واحدة من أكثر الولايات زخما في الإنتاج التشريعي، وفي الوقت نفسه واحدة من أكثرها إثارة للجدل الاجتماعي والاقتصادي.

فمن جهة، قدمت إصلاحات وصفت بالهيكلية، همت الحماية الاجتماعية، والصحة، والاستثمار، وقانون الإضراب، وإصلاح منظومة العدالة.

ومن جهة أخرى، عاش المغاربة سنوات طبعها الغلاء، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، واتساع الشعور بأن القدرة الشرائية أصبحت الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح.

كان المواطن ينتظر أن ينعكس هذا الزخم التشريعي على تفاصيل حياته اليومية، لكنه وجد نفسه أمام واقع أكثر تعقيدا.

فبينما كانت قبة البرلمان تناقش مشاريع القوانين وتصادق عليها، كانت الأسواق تفرض إيقاعا مختلفا؛ أسعار في ارتفاع، وأسر تعيد ترتيب أولوياتها، وطبقة متوسطة تواجه ضغوطا متزايدة للحفاظ على توازنها المالي.

ولم يكن الجدل محصورا في الاقتصاد وحده.

فقد تحولت ظاهرة “الفراقشية” إلى عنوان متكرر في النقاش العمومي، بعدما أصبحت رمزا لاختلالات مسالك التسويق والمضاربة، في وقت ارتفعت فيه المطالب بتشديد الرقابة على الأسواق وتفعيل قواعد المنافسة.

كما شهدت الولاية احتجاجات مهنية واجتماعية متواصلة، كان من أبرزها الحراك الذي رافق مشروع إصلاح القانون المنظم لمهنة المحاماة، وما ترتب عنه من تعطيل جزئي للسير العادي بعدد من المحاكم وتأجيل قضايا ومستحقات للمتقاضين، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة سؤال تدبير الإصلاح بالحوار والتوافق.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن هذه الولاية واجهت ظروفا استثنائية: تداعيات جائحة، وحرب أثرت في الأسواق العالمية، وسنوات متتالية من الجفاف، وزلزال الحوز، وهي عوامل انعكست على الاقتصاد الوطني وفرضت أولويات مختلفة، مع التشديد على أن ورش الحماية الاجتماعية والدعم المباشر للأسر يمثلان تحولا بنيويا ستظهر آثاره على المدى المتوسط.

غير أن السياسة، في نهاية المطاف، لا تقاس فقط بحجم التحديات، وإنما أيضا بقدرة المؤسسات على التخفيف من آثارها.

ومن هنا، برز السؤال الذي رافق هذه الولاية حتى أيامها الأخيرة: هل كان البرلمان شريكا فاعلا في مراقبة السياسات العمومية، أم أن هيمنة المبادرة الحكومية على التشريع حدت من دوره في اقتراح البدائل وصياغة حلول أكثر التصاقا بانشغالات المواطنين؟

مع اقتراب موعد 23 شتنبر، لا يقف المغرب فقط أمام استحقاق انتخابي جديد، بل أمام لحظة تقييم جماعي لتجربة سياسية كاملة.

وسيكون الناخب مدعوا إلى إصدار حكمه على خمس سنوات حملت إصلاحات كبرى، لكنها حملت أيضا أزمات معيشية عميقة، ونقاشات مجتمعية حادة، وانتظارات لم يتحقق منها إلا جزء.

إن البرلمان المقبل لن يحاسب على ما أنجزه سلفه، لكنه سيرث تركة ثقيلة من الملفات المفتوحة: القدرة الشرائية، والتشغيل، وإصلاح التعليم والعدالة، واستكمال مراجعة مدونة الأسرة، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، واستعادة ثقة المواطن في العمل البرلماني.

فالتحدي الحقيقي لم يعد في سن المزيد من القوانين، بل في جعل القانون يترجم نفسه إلى واقع يلمسه المواطن في سوقه، ومدرسته، ومستشفاه، ومحكمته، ومجال عمله.

تلك هي المعادلة التي ستحدد، أكثر من أي رقم أو حصيلة، ما إذا كانت الولاية المنتهية كانت محطة للإصلاح الفعلي، أم مجرد مرحلة غنية بالنصوص وفقيرة في أثرها على الحياة اليومية.

في 23 شتنبر، لن يكون الناخب المغربي مدعوا فقط لاختيار نواب جدد، بل لتقييم تجربة سياسية كاملة.

سيكون أمام سؤال بسيط في صياغته، عميق في مضمونه: هل كانت السنوات الخمس الماضية مرحلة إصلاحات انعكست على حياته اليومية، أم أنها كانت مرحلة غلب فيها منطق الإنجاز التشريعي على حساب معالجة الأزمات المعيشية؟

بين هذين التقييمين، سيكتب الناخب الفصل الأخير من ولاية 2021-2026، ويفتح الباب أمام برلمان جديد، ستكون أولى مهامه إقناع المواطنين بأن السياسة قادرة على أن تكون جزء من الحل، لا مجرد منصة لتبادل الخطابات.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*