المغرب ومجلس السلام: هندسة جديدة للأمن الإقليمي 

المغرب ومجلس السلام: هندسة جديدة للأمن الإقليمي 

بقلم : البراق شادي عبد السلام 

تتجاوز خطوة التوقيع الرسمي على الاتفاق الإطاري القانوني لانضمام المملكة المغربية كعضو مؤسس إلى مجلس السلام، والمشاركة الفاعلة في قوة الاستقرار الدولية بقطاع غزة، حدود العمل الدبلوماسي العادي لتكرس بعد الرؤية الملكية المتبصرة في إدارة الأزمات الإقليمية الكبرى وتحقيق السلم الدولي، حيث تتجسد معالم هذا التحول الجيوسياسي البارز في اللقاء رفيع المستوى الذي جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، والوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني عبد اللطيف لوديي، بحضور الفريق أول المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، والفريق أول قائد الدرك الملكي، والمنعقد بأمر سام من جلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية ورئيس لجنة القدس، مع الممثل السامي لمجلس السلام في غزة نيكولاي ملادينوف، والوفد العسكري والمؤسساتي المرافق له.

ويأتي هذا اللقاء الاستراتيجي ليتوج التوجيهات الملكية السامية التي أعلن عنها جلالة الملك خلال الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام في واشنطن، مؤكدا الانتقال الفعلي من منطق الشعارات والبيانات الشفهية إلى مربع المبادرة الميدانية المؤثرة والواقعية الإنسانية التي تضع دائما التضامن الملموس أساسا لكل تحرك مغربي.

ويتسع نطاق هذا الانخراط المغربي الوازن ليشمل نشر أطر ومستشارين مؤهلين من القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والمديرية العامة للأمن الوطني، إلى جانب إقامة مستشفى عسكري ميداني متكامل ومتعدد التخصصات. ولا تقتصر هذه المساهمة الهامة على ضبط الأمن والاستقرار في بعده الضيق، بل تمتد لتصوغ رؤية بناءة شاملة تسعى إلى إعادة تأهيل الأجهزة التنفيذية الفلسطينية ونشر قيم التسامح والتعايش السلمي، مستندة في ذلك إلى الشرعية التاريخية والسياسية المتمثلة في رئاسة جلالة الملك للجنة القدس، والجهود الدؤوبة التي تبذلها ذراعها الميدانية وكالة بيت مال القدس الشريف في نصرة القضايا العادلة في الملف الفلسطيني وحماية الحقوق التاريخية المشروعة للبلاد والمقدسات.

وفي سياق متصل، لا يمكن فصل هذا التموقع المغربي الريادي في الشرق الأوسط عن الطفرة النوعية والقفزات الاستراتيجية التي تشهدها العلاقات الثنائية بين الرباط وواشنطن، والتي تكللت مؤخرا بتوقيع اتفاقية عسكرية تاريخية مع القيادة الأمريكية لإفريقيا “أفريكوم” لإحداث مركز عسكري مشترك متعدد المجالات للتكوين والتجريب بالمملكة المغربية.

إن هذا التتويج الدفاعي، الذي يندرج ضمن خارطة الطريق الممتدة لعشر سنوات (2026-2036) لتعزيز الابتكار العسكري وقابلية التشغيل البيني بين الجيشين، يرسخ مكانة المغرب كـ “مصدر دولي للأمن والاستقرار” وحليف موثوق لا غنى عنه في هندسة الأمن القاري والإقليمي. وبفضل هذا التناغم التام بين الكفاءة العسكرية الميدانية والمصداقية السياسية العريقة، يبرز المغرب اليوم كقناة وحيدة قادرة على الموازنة بين التحالفات الاستراتيجية الكبرى مع القوى العظمى، والالتزام المبدئي والتاريخي بنصرة القضايا العادلة في الملف الفلسطيني، مما يجعل من مشاركته في قوة الاستقرار الدولية ضمانة حقيقية لإرساء سلام عادل، دائم، ومقبول دوليا تتماشى كليا مع المواقف الراسخة والثابتة للمملكة تجاه قضايا السلم والعدالة.

ومن الناحية القانونية والمؤسساتية، لا يتحرك المغرب في هذا المسار من فراغ، بل يستند انخراطه الفاعل إلى التأصيل القانوني الدولي الصلب الذي يحظى به “مجلس السلام”، والذي استمد شرعيته التنفيذية كترجمة فعلية وتنزيل مباشر لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803.

هذا القرار الأممي التاريخي، الصادر بأغلبية وازنة، شكل المنعطف الأبرز لشرعنة الترتيبات الانتقالية في قطاع غزة عبر إقرار “الخطة الشاملة لإنهاء النزاع”، حيث فوض للمجلس ممارسة سلطات إدارية وتنموية انتقالية واسعة تشمل الإشراف الكامل على المساعدات، ونزع السلاح، وإعادة الإعمار، وتهيئة بيئة سياسية مستدامة.

بناء على هذه المظلة القانونية، يأتي توقيع المملكة ليعكس التزامها بالشرعية الدولية؛ حيث يمنح قرار مجلس الأمن 2803 الغطاء الشرعي والولاية القانونية لـ “قوة الاستقرار الدولية”، مما يجعل المساهمة العسكرية والأمنية المغربية بغزة محصنة بالقانون الدولي ومؤطرة بالآليات الأممية التي تفرض تقديم تقارير دورية نصف سنوية إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن.

هذا التلازم الدقيق بين الشرعية الدولية الممثلة في القرار 2803، والزخم السياسي لمبادرة مجلس السلام، يمنح الاتفاق الموقع في الرباط أبعادا تتجاوز التنسيق الثنائي نحو صياغة نموذج جديد للتدخل الدولي متعدد الأطراف المحكوم بالقانون والمصداقية العملياتية.

ومن زاوية القراءة السياسية، فإن هذا الانخراط المغربي المبكر يحمل أبعادا جيو-استراتيجية بالغة الدلالة تتجاوز النطاق الجغرافي لقطاع غزة، ليعكس إعادة تموقع استراتيجي شامل للمملكة كـ “محور ارتكاز” لمنظومة السلام الإقليمية الجديدة التي ترعاها واشنطن والقوى الفاعلة في القرار العالمي. وتكشف هذه الخطوة عن ثلاثة محددات سياسية رئيسية صاغت القرار السيادي المغربي:

أولا: الانتقال إلى الدبلوماسية الوقائية : إذ تعكس المشاركة قدرة المغرب على تحويل رصيده التاريخي والدبلوماسي كرئيس للجنة القدس إلى أوراق ضغط ومبادرات تنفيذية على الأرض منطلقا من الرؤية الملكية المتبصرة التي ترفض الجمود وتصنع الحلول.

وبذلك، يتجاوز المغرب دور “المراقب المحايد” أو “المندد الدبلوماسي” الذي سقطت فيه فواعل إقليمية أخرى، ليصبح شريكا ميدانيا يمتلك سلطة القرار والرقابة في صياغة مرحلة ما بعد الحرب دعما للحقوق الفلسطينية المشروعة.

ثانيا: تعزيز ثنائية “الأمن والتنمية” كبديل للمحاور الأيديولوجية؛ حيث تراهن الرؤية الملكية على أن استدامة السلام في الشرق الأوسط لا يمكن أن تتحقق بالآلات العسكرية الصرفة، بل عبر تفكيك البنى التحتية للتطرف من خلال التعليم، ومكافحة خطاب الكراهية، وتأهيل المؤسسات الوطنية الفلسطينية لإنفاذ القانون.

هذا النموذج التنموي-الأمني هو النسخة المحدثة من السياسة الإفريقية الناجحة للمغرب، والتي ينقلها اليوم بحرفية إلى البيئة السياسية المعقدة للشرق الأوسط، مستندا على المواقف الراسخة والثابتة للرباط في نشر الاستقرار ورفض الانقسام والتطرف.

ثالثا: تكريس دور المملكة المغربية كصانعة للسلام الإقليمي والدولي؛ حيث تؤكد هذه الخطوة أن الرباط لا تكتفي بتبني مبادئ السلم والتعايش، بل تبادر بإنتاج الحلول الواقعية وتصميم البيئات الأمنية المستدامة، مما يجعل منها قوة مبادرة وقناة دبلوماسية موثوقة قادرة على هندسة التوافقات الكبرى وتنزيلها ميدانيا لحماية الأمن والسلم الدوليين.

وتتجاوز المساهمة المغربية المنطق الكلاسيكي لعمليات حفظ السلام نحو مفهوم “بناء الدولة” وإعادة تأهيل الكوادر البشرية الوطنية الفلسطينية لتجسيد الدفاع المستميت عن القضايا العادلة في الملف الفلسطيني بشكل مؤسساتي متين. وتتمفصل البنود العملياتية والتنفيذية للاتفاق القانوني المبرم بالرباط حول ثلاثة مستويات حيوية:

-أولا، دمج ضباط سامين من القوات المسلحة الملكية ضمن غرف القيادة العسكرية المشتركة. 

-ثانيا، إرسال أطر متخصصة من جهاز الدرك الملكي والمديرية العامة للأمن الوطني لتولي الإشراف المباشر وتدريب وإعادة تأهيل جهاز الشرطة الفلسطيني الجديد لضمان سيادة القانون وحفظ السلم الداخلي.

 -ثالثا، الرعاية الطبية والإنسانية الشاملة عبر نشر مستشفى عسكري ميداني متكامل، بالموازاة مع إطلاق مبادرات فكرية تشرف عليها التجربة المغربية لتفكيك خطاب الكراهية ومحاربة التطرف وتعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي في بيئة ما بعد الحرب، مع الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للقدس الشريف وفق المواقف الراسخة والثابتة لبلادنا.

ومع ذلك، فإن هذا الانخراط المغربي الوازن في “قوة الاستقرار الدولية” بغزة لا يشكل طفرة ظرفية، بل هو امتداد طبيعي لعقيدة عسكرية إنسانية متجذرة صاغتها دماء وخبرات القوات المسلحة الملكية على مدى أكثر من ستة عقود في خدمة السلم العالمي.

فمنذ فجر الاستقلال وتحديدا في عام 1960، كانت المملكة في طليعة الدول التي لبت نداء الأمم المتحدة بإرسال تجريدة عسكرية لحفظ الوحدة الترابية لجمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو الرصيد التاريخي الذي تنامى وتنوع جغرافيا وعرقيا خلال تسعينيات القرن الماضي عبر مشاركات نموذجية في بؤر التوتر شديدة التعقيد في الصومال، والبوسنة والهرسك، وكوسوفو.

وتبرز في هذا الصدد التجربة الميدانية الرائدة والتنسيق رفيع المستوى الذي تجسده المملكة من خلال الحوار البناء والتعاون الدائم والمستمر مع قوة الأمم المتحدة لمراقبة الاستفتاء في الصحراء المغربية (المينورسو)، مما يؤكد التزام المغرب الصارم بالشرعية الدولية وحرصه الموصول على تسهيل مهام البعثات الأممية وتوفير كافة السبل لضمان نجاحها ميدانيا.

وفي هذه المحطات الدولية الشاملة، لم تقتصر المهمة المغربية على ضبط الأمن فحسب، بل تميزت بتطوير ما يعرف بـ “الدبلوماسية الطبية العسكرية” من خلال نشر المستشفيات الميدانية متعددة التخصصات لتقديم الرعاية الطبية والإنسانية للمدنيين؛ وهو الأسلوب الفريد الذي صقله المغرب لاحقا في مخيم الزعتري بالأردن وفي قطاع غزة نفسه خلال أزمات سابقة لتأكيد الارتباط الوجداني للمغاربة والوقوف الدائم مع القضايا العادلة في الملف الفلسطيني بكل الوسائل المتاحة. بناء على هذه الريادة المستمرة، التي تتجلى اليوم أيضا في قيادة التدخلات الأممية الحيوية لحماية المدنيين في إفريقيا الوسطى (مينوسكا) والكونغو (مونوسكو)، يتقدم المغرب إلى مجلس السلام ليس كفاعل أمني مستجد، بل كقوة مرجعية عالمية تمتلك الكفاءة الميدانية والشرعية الأخلاقية لتنزيل مقتضيات قرار مجلس الأمن 2803 وتحويله إلى واقع ملموس يحقن الدماء ويصنع الاستقرار بتوجيه متبصر ورؤية ملكية واقعية حكيمة.

في نفس السياق تتكامل المبادرة المغربية الراهنة مع رصيد تاريخي حافل وممتد من الدعم الإنساني والطبي المباشر للأراضي الفلسطينية، تشرف عليه القوات المسلحة الملكية وتنسق أبعاده وكالة بيت مال القدس الشريف والهلال الأحمر المغربي ليشمل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس. ويتجلى هذا الالتزام الميداني الموصول في إقامة المستشفى الميداني العسكري الأول بغزة عام 2012 بطاقة بلغت 120 سريرا لعلاج ضحايا العمليات العسكرية، يليه نشر المستشفى الميداني الطبي الجراحي الثاني بمدينة الزهراء عام 2018 بطاقم متخصص ضم 165 إطارا طبيا وعسكريا تم نقلهم عبر جسر جوي من 17 طائرة عسكرية لإسعاف جرحى مسيرات العودة.

وتجاوزت هذه الجهود التدخلات الطارئة نحو إعمار المنشآت الصحية الدائمة مثل مستشفى القدس التخصصي بغزة الذي أعيد بناؤه وتجهيزه بالكامل بتمويل مالي مغربي خاص وافتتح عام 2021 بطاقة 102 سرير وثماني غرف عمليات متطورة، بالتوازي مع الدعم المستمر للضفة الغربية والقدس عبر تمويل وتجهيز الأقسام الطبية بمستشفيات المقاصد والمطلع وإرسال شحنات الأدوية مباشرة لمستودعات وزارة الصحة برام الله لدعم صمود الشعب الفلسطيني.

ولا تنحصر هذه الرؤية التنموية في مجالات الدعم الطبي والإغاثي فحسب، بل تمتد لتشمل الإسهام المباشر في تشييد معالم السيادة الوطنية الفلسطينية وإعادة الإعمار، وهو ما برز بوضوح في المساهمة الفاعلة للمملكة المغربية بعهد الملك الراحل الحسن الثاني في تمويل وتصميم وبناء “مطار غزة الدولي” (مطار ياسر عرفات) عقب توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993.

وشكل هذا الشريان الجوي الحيوي، الذي افتتح رسميا عام 1998، بوابة رئيسية لربط غزة بالعالم ودعم اقتصادها الوطني، وحمل دلالات وجدانية عميقة من خلال تميزه بهندسة معمارية مغربية إسلامية أصيلة توجتها لمسات الزليج المغربي والفسيفساء والأقواس التقليدية، ليبقى هذا الصرح التاريخي شاهدا حيا على الالتزام المغربي الموصول بدعم البنية التحتية الاستراتيجية وتأسيس مقومات الدولة الفلسطينية القابلة للحياة.

إن المقاربة الأمنية والدبلوماسية الشاملة التي تبنتها المملكة بالانضمام لقوة الاستقرار الدولية بغزة تتماشى مع إرثها العسكري والسياسي الحافل في تلبية نداء السلم العالمي عبر بقاع المعمورة.

واليوم، يعيد التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية والانسجام القانوني المطلق مع مخرجات قرار مجلس الأمن 2803 تشكيل الملامح المتقدمة للقوة الناعمة والصلبة للمملكة تأسيسا على الرؤية الملكية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

فلم يعد المغرب مجرد فاعل متأثر بالديناميات الإقليمية، بل صانعا رئيسيا لهندسة التوازنات ومهندسا للسلام الإقليمي المستدام، قادرا على صياغة الحلول التنموية والأمنية وحقن الدماء وبناء غد أفضل يحترم الشرعية وحقوق الشعوب وتطلعاتها وفق المواقف الراسخة والثابتة التي ميزت دائما السياسة الخارجية للمملكة دفاعا عن قضايا السلم والتعايش الدولي.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*