الذكاء الاصطناعي في الصحة: الواقع المغربي، الرهانات والآفاق
بقلم: عبد السلام الصديقي
عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق
تثير التطورات المتسارعة التي يشهدها الذكاء الاصطناعي اليوم قدراً كبيراً من الأمل بقدر ما تثير من التساؤلات.
ففي المجال الصحي، تفتح هذه التكنولوجيا آفاقاً واعدة أمام طب أكثر قدرة على التنبؤ بالأمراض، وتشخيص أكثر دقة وفي مراحل مبكرة، وعلاجات أكثر ملاءمة لكل مريض، فضلاً عن تحسين تدبير المؤسسات الاستشفائية والرفع من نجاعتها.
غير أن الفجوة ما تزال قائمة بين الوعود التي تحملها التكنولوجيا والواقع الذي يطبع المنظومات الصحية.
وهذا بالضبط ما خلص إليه الكتاب الأبيض الأخير «الذكاء الاصطناعي في الصحة بالمغرب» (يوليوز 2026)، الذي شكل منطلق هذه القراءة.
فهذا التقرير يذكر بحقيقة أساسية مفادها أن الذكاء الاصطناعي لا يحقق النتائج المرجوة إلا عندما يندمج في منظومة صحية متماسكة، جيدة التنظيم، وقادرة على استثمار المعطيات الصحية بكفاءة.
وينطبق هذا الاستنتاج بشكل مباشر على المغرب، الذي انخرط في إصلاح طموح لمنظومته الصحية، يقوم على تعميم الحماية الاجتماعية، وإعادة تنظيم العرض الصحي، وإحداث المجموعات الصحية الترابية، وتحديث الحكامة. ويأتي هذا الإصلاح في وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي أحد أهم محركات التحول التي تعرفها الأنظمة الصحية عبر العالم. ومن ثم، فإن تلاقي هذين المسارين يشكل فرصة تاريخية للمغرب، شريطة أن يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعاً للصحة العمومية، لا مجرد مشروع تكنولوجي.
فالذكاء الاصطناعي ليس عصاً سحرية، كما أنه ليس غاية في حد ذاته.
فهو لن يحل محل الطبيب في تقديره السريري، ولا محل الممرض في مواكبته للمريض، ولا محل صانع القرار في تحمل مسؤولياته.
لكنه يستطيع أن يساعدهم جميعاً على اتخاذ قرارات أفضل، وتنظيم الخدمات الصحية بشكل أكثر فعالية، وحسن استغلال الموارد التي ستظل، لسنوات طويلة، محدودة.
ثورة ينبغي التعامل معها بقدر كبير من الواقعية
أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي معروفة اليوم.
فمن تحليل الصور الطبية، والكشف المبكر عن عدد من الأمراض، والمساعدة على اتخاذ القرار العلاجي، وتحسين تدبير المؤسسات الاستشفائية، وصولاً إلى تسريع اكتشاف الأدوية والجزيئات الجديدة، كلها مجالات تؤكد الإمكانات الكبيرة لهذه التكنولوجيا.
كما بدأ الذكاء الاصطناعي التوليدي يخفف من الأعباء الإدارية التي تثقل كاهل مهنيي الصحة، من خلال المساعدة في إعداد الملفات الطبية وتلخيص المعارف والدراسات العلمية.
ومع ذلك، سيكون من المبالغة الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي يمثل الحل السحري لكل الصعوبات التي تواجهها المنظومات الصحية.
فمهما بلغت كفاءته، فإنه لا يستطيع تعويض ضعف التنظيم، أو رداءة المعطيات، أو النقص في الموارد البشرية المؤهلة. فالتكنولوجيا تعزز نقاط القوة داخل أي منظومة، لكنها تكشف أيضاً عن مواطن ضعفها.
والواقع أن الوقود الحقيقي للذكاء الاصطناعي ليس الخوارزميات، بل المعطيات.
فكلما كانت البيانات ناقصة أو مشتتة أو ضعيفة الجودة، كانت النتائج أقل دقة وأكثر عرضة للأخطاء.
لذلك، فإن الثورة الحقيقية لا تكمن فقط في تطور الخوارزميات، بل أيضاً في بناء منظومة وطنية متكاملة للمعطيات الصحية.
المغرب أمام اختبار الذكاء الاصطناعي
لا ينطلق المغرب من نقطة الصفر.
فقد شهدت السنوات الأخيرة إطلاق عدد من المبادرات في مجالات الطب عن بعد، ورقمنة المؤسسات الاستشفائية، والتصوير الطبي، والبحث الجامعي.
كما بدأت مقاولات ناشئة مبتكرة، إلى جانب المراكز الاستشفائية الجامعية ومدارس المهندسين، في استكشاف الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي.
غير أنه سيكون من السابق لأوانه الحديث عن منظومة وطنية متكاملة في هذا المجال.
فما تزال هذه المبادرات متفرقة، وتأثيرها محدوداً، وهي في حاجة إلى أن تندرج ضمن استراتيجية وطنية منسجمة تحدد الأولويات، وتوضح المسؤوليات، وتضع أهدافاً قابلة للقياس.
ولا تزال التحديات عديدة.
فأنظمة المعلومات الصحية لم تبلغ بعد المستوى المطلوب من التكامل والتشغيل البيني، كما أن جودة المعطيات الطبية متفاوتة، ولا تزال الفوارق المجالية تحد من الولوج إلى الخدمات الصحية المتخصصة.
ويضاف إلى ذلك محدودية الكفاءات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي الموجه للصحة، وضعف تثمين البحث السريري، فضلاً عن الإشكالات المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية، والمسؤولية القانونية عن القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والاعتماد المتزايد على تكنولوجيات يتم تطويرها خارج المغرب
إن الاعتراف بهذه الإكراهات لا يعني التقليل من أهمية الجهود المبذولة، بل يمثل الشرط الأساسي لبناء استراتيجية وطنية واقعية وقادرة على الاستمرار.
تكلفة الابتكار وتكلفة الجمود
لا يقتصر الذكاء الاصطناعي على اقتناء برمجيات متطورة، بل يتطلب استثمارات مهمة في البنيات التحتية الرقمية، وبناء قواعد بيانات موثوقة، وتعزيز الأمن السيبراني، وتكوين الموارد البشرية، وصيانة الأنظمة وتحيينها باستمرار. وبالنسبة لبلد مثل المغرب، حيث تظل الموارد المالية محدودة، فإن مسألة التمويل لا يمكن تجاهلها.
غير أن اختزال النقاش في الكلفة المباشرة سيكون خطأً في التقدير. فالمعيار الحقيقي هو «تكلفة الجمود».
إن التأخر في إدماج الذكاء الاصطناعي في المنظومة الصحية يعني القبول باستمرار نظام صحي أقل كفاءة، وأكثر اعتماداً على التكنولوجيات الأجنبية، وأقل قدرة على الاستجابة للحاجيات المتزايدة للمواطنين. ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لا يتمثل في معرفة تكلفة الذكاء الاصطناعي، وإنما في تحديد المجالات التي يمكن أن يحقق فيها أكبر قيمة مضافة لفائدة المريض والمجتمع.
جعل الذكاء الاصطناعي رافعة لإصلاح المنظومة الصحية
لن يحقق الذكاء الاصطناعي الأثر المنشود إلا إذا اندمج ضمن رؤية شاملة لتحديث المنظومة الصحية. وتتمثل الأولوية الأولى في إعداد استراتيجية وطنية واضحة للذكاء الاصطناعي في المجال الصحي، تكون منسجمة مع ورش الإصلاح الجاري. فالغاية ليست الإكثار من المشاريع التجريبية، وإنما بناء إطار وطني موحد، ينسق المبادرات، ويضمن تتبع النتائج وتقييمها بشكل منتظم.
أما الأولوية الثانية فتتعلق بحكامة المعطيات الصحية. فجودة هذه المعطيات، وقابليتها للتبادل بين مختلف الأنظمة، ومستوى حمايتها، كلها عوامل ستحدد مدى موثوقية تطبيقات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً. وفي هذا المجال، ستظل ثقة المواطنين عاملاً لا يقل أهمية عن كفاءة التكنولوجيا نفسها.
وتتمثل الأولوية الثالثة في الاستثمار في الموارد البشرية. فالأطباء، والممرضون، والصيادلة، والمهندسون، والمسيرون مطالبون باكتساب الكفايات اللازمة لاستعمال هذه الأدوات الجديدة. فالذكاء الاصطناعي لن يعوض الكفاءات البشرية، بل سيعزز قدراتها على التحليل واتخاذ القرار، شريطة الإحاطة بإمكاناته وحدوده.
كما سيكون من المفيد أن يدعم المغرب منظومة وطنية للابتكار تجمع بين الجامعات، والمراكز الاستشفائية الجامعية، والمقاولات المبتكرة، والشركات الناشئة.
فإنتاج حلول تستجيب للخصوصيات الصحية واللغوية والاجتماعية للمغرب لا يعزز فقط فعالية هذه الحلول، بل يرسخ أيضاً السيادة الرقمية الوطنية.
وأخيراً، ينبغي أن يستند تطوير الذكاء الاصطناعي إلى إطار قانوني وأخلاقي يضمن حماية المعطيات الشخصية، وشفافية الخوارزميات، والحفاظ على المسؤولية البشرية في كل قرار طبي.
فالثقة تظل الشرط الأساسي لتقبل هذه التكنولوجيا من طرف مهنيي الصحة والمرضى على حد سواء.
يفتح الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة في مسار تطور الأنظمة الصحية. وبالنسبة للمغرب، فإنه لا يمثل غاية في حد ذاته، بقدر ما يشكل فرصة لمواكبة الإصلاح التاريخي الذي يشهده قطاع الصحة، بما يضمن تحديثه والارتقاء بجودة خدماته.
والتحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك أكثر الخوارزميات تطوراً، بل في توفير الشروط الكفيلة بتسخيرها لخدمة المواطن. فالحكامة الجيدة، وجودة المعطيات، وكفاءة الموارد البشرية، واستدامة التمويل، وإرساء إطار أخلاقي وقانوني متين، كلها عوامل سيكون لها تأثير أكبر في نجاح هذا التحول من التكنولوجيا وحدها.
ومن ثم، فإن الرهان الأساسي هو رهان مؤسساتي قبل أن يكون رهاناً تكنولوجياً.
فالذكاء الاصطناعي لن يعالج تلقائياً مكامن الضعف التي تعاني منها المنظومة الصحية المغربية، لكنه قادر، إذا ما تم الاعتراف بهذه الاختلالات والعمل على تجاوزها، على أن يصبح رافعة قوية لإنجاح الإصلاح الجاري.
وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل الصحة لن تحدده الخوارزميات أو الآلات، بل سيحدده مدى قدرة الإنسان على توظيف الابتكار في خدمة الصالح العام.
وعندئذ فقط، سيسهم الذكاء الاصطناعي في بناء منظومة صحية أكثر كفاءة، وأكثر إنصافاً، وأكثر إنسانية.
