خطاب العرش… التنمية من مشروع اقتصادي إلى سؤال حضاري 

خطاب العرش… التنمية من مشروع اقتصادي إلى سؤال حضاري 

قراءة تحليلية للخطاب الملكي، الاربعاء 29 يوليوز 2026

 بقلم نادية واكرار 

لا يمكننا قراءة خطاب العرش باعتباره خطابا مناسباتيًا يُستعرض فيه ما تحقق من منجزات، بل باعتباره وثيقة سياسية ترسم ملامح المرحلة المقبلة وتطرح سؤالا أعمق من سؤال التنمية: أي دولة يريد المغرب أن يكون في العقود القادمة؟

إن الرسالة المركزية التي يبعث بها الخطاب ليست الدعوة إلى إنتاج مزيد من المشاريع، وإنما إلى إنتاج مزيد من الأثر. فالدول لا تُقاس بعدد الأوراش المفتوحة، بل بقدرتها على تحويل هذه الأوراش إلى شعور جماعي بالإنصاف وإلى ثقة متبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية… إذ قد تنجح السياسات العمومية في تحقيق نسب نمو أو إنجازات مادية، لكنها تفشل إذا بقي المواطن يشعر بأن تلك الإنجازات بعيدة عن واقعه اليومي.

يضع الخطاب، وإن لم يصرح بذلك، الجميع أمام سؤال الحكامة.

فالإشكال لم يعد في نقص الرؤى أو غياب الاستراتيجيات، بل في الفجوة التي تفصل بين القرار العمومي والتنزيل الميداني.

وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن المناعة المؤسساتية ضرورة أكثر منه خيارًا.

فالدولة القوية ليست تلك التي تنتج القوانين فقط وإنما التي تمتلك مؤسسات قادرة على تصحيح اختلالاتها ذاتيًا، وعلى تقييم أدائها باستمرار وأيضا على محاسبة نفسها قبل أن يحاسبها المجتمع.

ومن هذا المنظور، فإن التنمية ليست مجرد مؤشر اقتصادي، بل هي منظومة متكاملة تتفاعل فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم والإدارة.

وإذا اختل أحد هذه المكونات، فإن بقية المنظومة تفقد توازنها، مهما بلغت الاستثمارات أو تعاظمت الأرقام.

أما على المستوى الجيوسياسي، فإن الخطاب يؤكد أن مكانة المغرب الإقليمية والدولية لا تُبنى فقط بالدبلوماسية أو بالتحالفات، وإنما بقوة النموذج الداخلي.

فالدولة التي تنجح في ترسيخ العدالة المجالية، وتعزيز الثقة في مؤسساتها، وتوسيع قاعدة المشاركة، تصبح أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية وعلى تعزيز حضورها الخارجي.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في إطلاق أوراش جديدة، وإنما في الانتقال إلى مرحلة تقييم أثر السياسات العمومية.

فالمواطن لا يبحث عن كثرة البرامج، بل عن نتائج يلمسها في التعليم، والصحة، والتشغيل، وجودة الخدمات، وتكافؤ الفرص. وهنا يصبح معيار النجاح هو أثر القرار، لا حجم الإعلان عنه.

وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من دولة تُدير التنمية إلى دولة تُنتج الثقة؛ لأن الثقة هي رأس المال السياسي الأكثر قيمة، وهي الشرط الضروري لنجاح أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي أو مؤسساتي. فحين يثق المواطن في عدالة مؤسساته، تصبح التنمية مشروعًا جماعيًا، لا مجرد سياسة عمومية.

وهكذا، يمكن قراءة خطاب العرش باعتباره دعوة إلى مراجعة أساليب التدبير أكثر من مراجعة الأهداف. فالرهان لم يعد على إنتاج سياسات جديدة، بل على بناء دولة تمتلك مناعة مؤسساتية تجعلها قادرة على التعلم من أخطائها، وتصحيح مسارها باستمرار، وتحويل التنمية من مشروع ظرفي إلى مشروع حضاري طويل المدى، قوامه الإنسان، ومرجعيته الكفاءة، وغايته ترسيخ دولة قوية، عادلة، وفاعلة في محيطها الإقليمي والدولي.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*