براغ على خطى كافكا
كتبها: عبد العزيز كوكاس
عجيب أن تزور مدينة بعيدة، فقط لأن كاتبا كبيرا سحرك إبداعه فذهبت تبحث عنه في مكان قصي من العالم، لذلك أحسست أني دخلت براغ كما لو ولجت كتابًا تركه مؤلفه مفتوحًا على صفحة غامضة.
أول ما سألت عنه هو منزل صاحب “المسخ”، “القلعة” و”أمريكا”… لكن المدينة كانت تستدرجني إلى خرائطها السرية: قبة تلمع تحت سماء رمادية، برج يراقب المارة منذ قرون، زقاق يضيق كأنه يريد أن يحتفظ بسرّه، ونهر يمضي واثق المجرى..
على جسر شارل، كان الصباح يخرج مترددًا من ضباب نهر فلتافا. عبرتُ بين التماثيل التي تراقب المشهد بحياد: الموسيقيون يعزفون، الباعة يعرضون سلعهم، السائحون يلتقطون الصور، والمدينة تقدم وجهها الأكثر ألفة، لكنني كنت أبحث خلف كل هذا عن رجل نحيل يمشي منحنياً قليلًا، يراقب العالم كما لو أنه جهاز هائل صُمّم لسحق الفرد بأقصى درجات الهدوء والنظام.
مررت بالحي اليهودي، فشعرت بأن المدينة تنخفض فجأة من بهائها الإمبراطوري إلى طبقات أعمق من الذاكرة.
أسماء انطفأت، بيوت تغير ساكنوها، وصلوات بقي صداها عالقًا في الجدران… كان كافكا ابن هذا القلق المركب: يهوديًا داخل مدينة مسيحية، ناطقًا بالألمانية في فضاء تشيكي، ابنًا يصعب عليه التحرر من سلطة الأب، وكاتبًا يعمل نهارًا داخل مؤسسة بيروقراطية ثم يعود ليلًا كي يكتب عن الإنسان المحاصر داخل مؤسسات أكبر منه. لذلك بدت لي كتاباته كأنها محاولة متواصلة لإيجاد غرفة داخل العالم لا يقتحمها الأب، ولا تستدعي صاحبها المحكمة، ولا يستيقظ فيها الإنسان ليجد جسده قد صار غريبًا عنه.
وقفت أمام البيت الذي ارتبط باسمه، لا أعرف لماذا أحسست أن كافكا لا يسكن بيتًا بعينه.
كان موزعًا في المدينة كلها: في السلالم التي تلتف على نفسها، في النوافذ التي تراقب الشوارع من علٍ، في الظلال الممتدة تحت الأقواس، وفي الوجوه العابرة التي تعشق جمع الصور.
كان في القلعة أيضًا، روايته عن المبنى المرتفع فوق المدينة والتي تجاوزت معانيها قلعة براغ نفسها..
كنت أصعد نحو القلعة، وكلما اقتربت منها اتسعت أمامي، ومن الأعلى بدت براغ واضحة: جسور، قباب، أبراج، بيوت متراصة ونهر يشقها بوثوق. غير أن وضوحها من بعيد لم يُلغ غموضها من الداخل.
إنها مدينة يمكن رؤيتها كاملة من مرتفع، لكن لا يمكن روحها مهما تجولت في أحيائها.
وربما هنا تكمن صلتها الأعمق بكافكا: تبدو البنية واضحة، بينما يظل القانون الذي يحكمها عصيًا على الفهم.
لم أقرأ كافكا في براغ كما أقرأ كاتبًا في كتاب، لقد قرأت براغ من خلاله. وجه براغ العام بالغ الفتنة: جسورها وقلاعها وأبراجها وواجهاتها الباروكية.
أما سيرتها السرية فتقيم في الخوف الذي عبر تاريخها، وفي صراع اللغات والهويات، وفي ذاكرة اليهود الغائبين، وفي تعاقب الإمبراطوريات والاحتلالات والأنظمة التي أرادت دائمًا أن تختصر الإنسان في اسمه أو قوميته أو انتمائه أو ملفه.
لكن كافكا لم يكن مرشدًا يقودني إلى ظلمة المدينة وحدها.. فقد جعلني أكثر انتباهًا إلى هشاشة الأشياء وجمالها.
لأن العالم الذي يمكن أن يتحول فيه الإنسان إلى حشرة، ويُحاكم فيه بلا تهمة، ويظل واقفًا أمام باب القانون حتى نهاية حياته، هو نفسه عالم يستطيع فيه أن يجد جمالا منفلتا في جملة أنيقة، أو نافذة مضاءة أو مشية رومانسية قرب النهر.

