فنجان بدون سكر
“البحر أمامكم”
من أسباب السياسة الحكومية المفترسة: الهروب الجماعي إلى سبتة سباحة… حين يصبح البحر أهون من اليأس
بقلم: عبد الهادي بريويك
خلال الأسبوع الأخير، شهدت المناطق الشمالية للمملكة توافد أعداد كبيرة من الشباب والنساء، ومن بينهم قاصرون، قدموا من مختلف المدن والجهات في محاولة للوصول إلى مدينة سبتة سباحة، رغم إدراكهم أن هذه الرحلة قد تنتهي بالغرق أو الإصابة أو الاعتقال.
لم يكن المشهد مجرد محاولة هجرة غير نظامية، بل كان صورة صادمة لاختلالات اجتماعية واقتصادية عميقة، ورسالة احتجاج صامتة يكتبها اليائسون بأجسادهم في عرض البحر.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس عدد المشاركين فيها، بل تنوعهم.
فحين يقرر شاب عاطل عن العمل المجازفة بحياته، قد يفسر ذلك بالبحث عن فرصة أفضل، لكن عندما تنضم إليه نساء وقاصرون وأشخاص من مختلف الأعمار، فإن الأمر يتجاوز الرغبة الفردية في الهجرة ليطرح سؤالًا أكبر: لماذا أصبح هذا العدد من المواطنين يرى أن المخاطرة بالحياة قد تكون أقل قسوة من البقاء؟
يرى منتقدون للسياسات الحكومية أن الجواب يكمن في تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
فارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار البطالة، وصعوبة الولوج إلى فرص عمل مستقرة، عوامل ولّدت شعورًا واسعًا بانسداد الأفق، خاصة لدى الشباب. ويضيف هؤلاء أن التنمية، رغم ما تحقق في بعض المجالات، لم تنعكس بالقدر الكافي على حياة فئات واسعة من المواطنين، وهو ما أسهم في تعميق الإحساس بالتهميش وفقدان الثقة في المستقبل.
ويصف بعض المنتقدين هذه المقاربة بأنها “سياسة حكومية مفترسة”، ليس بالمعنى الحرفي، وإنما باعتبارها – وفق رأيهم – تفرض أعباء اقتصادية متزايدة على المواطنين دون أن تقابلها سياسات اجتماعية كافية لتخفيف آثارها. ويستند هذا الطرح إلى أن المواطن أصبح يواجه ارتفاعا في تكاليف المعيشة، بينما يشعر كثيرون بأن فرص تحسين أوضاعهم الاقتصادية ما تزال محدودة.
لكن تحميل الحكومة وحدها المسؤولية قد لا يعكس الصورة كاملة.
فالهجرة غير النظامية ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل متعددة، من بينها الفوارق الاقتصادية بين الضفتين، وجاذبية سوق العمل الأوروبية، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في رسم صورة مثالية عن الحياة خارج الوطن، إضافة إلى نشاط شبكات تهريب المهاجرين التي تستغل أحلام الشباب وتدفعهم إلى خوض مغامرات قد تكون قاتلة.
ومع ذلك، فإن تكرار هذه المشاهد يفرض على صناع القرار مراجعة السياسات العمومية بجدية.
فنجاح أي سياسة لا يقاس فقط بالمؤشرات الاقتصادية الكلية، بل بقدرتها على منح المواطن شعورا بالأمل والانتماء والثقة في المستقبل.
وعندما يصبح البحر خيارا مفضلا لدى البعض، فإن ذلك يشير إلى وجود أزمة ثقة تستحق المعالجة، إلى جانب معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
إن الهروب الجماعي إلى سبتة ليس انتصارا لأحد، بل خسارة للجميع.
فهو يكشف عن معاناة إنسانية، ويضع الدولة والمجتمع أمام مسؤولية مشتركة لإيجاد حلول مستدامة، تقوم على خلق فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وفتح آفاق حقيقية أمام الشباب، بالتوازي مع مكافحة شبكات الهجرة غير النظامية والتوعية بمخاطرها.
في النهاية، لا ينبغي أن تختزل هذه المشاهد في أرقام أو أخبار عابرة.
إنها صرخة مكتومة تقول إن هناك مواطنين يشعرون بأن مستقبلهم يوجد خلف البحر لا على ضفته الجنوبية. والاستجابة لهذا النداء لا تكون بالمقاربات الأمنية وحدها، بل أيضا بإصلاحات اقتصادية واجتماعية تعيد الثقة، وتمنح الناس سببا للبقاء، لأن الأوطان تبنى عندما يشعر أبناؤها أن لهم فيها مستقبلا يستحق الحياة.

