لم يخطر ببالي يومًا أن علبة بسكويت ستعلمني شيئًا عن شعب بأكمله.
مصطفى الخداري . من مذكرات رجل تعليم بين المغرب وهولندا
حين جئت إلى هولندا في مطلع الثمانينات لأعمل مدرسًا للغة العربية، كنت أعتقد أن دوري واضح: سأُعلِّم الأطفال حروف لغةٍ أخرى، وأفتح لهم نافذة على ثقافة مختلفة. لكنني اكتشفت، بعد أشهر قليلة، أنني أنا أيضًا كنت تلميذًا في مدرسة جديدة، وأن الدروس التي سأتعلمها لن أجدها في كتاب، ولن يلقيها أستاذ من خلف مكتب.
كنت أدرّس العربية صباحًا، وأتعلم الهولندية في المساء أو الليل.
تعلمت اللغة الهولندية في المعاهد، لكنني تعلمت المجتمع الهولندي في أماكن أخرى؛ في قاعة المعلمين، وأثناء اجتماعات أولياء الأمور، وفي البيوت التي كنت أزورها، وفي الأحاديث العابرة مع الجيران، وحتى حول فنجان قهوة لا يستغرق شربه أكثر من دقائق معدودة.
وكان أكثر ما أثار فضولي هو أن الأشياء الصغيرة هي التي تكشف الفروق الكبيرة بين الشعوب.
فطريقة إلقاء التحية، والاعتذار، واحترام المواعيد، والجلوس إلى المائدة.
كلها تفاصيل تبدو عادية، لكنها تحمل في داخلها فلسفة مجتمع بأكمله.
وأكثر هذه الدروس طرافة بدأ مع الطعام.
خلال عملي في إحدى مدارس التعليم الخاص، كنت أرافق زملائي الهولنديين في زيارات منزلية إلى أسر مغربية.
كانت مهمتي ترجمة الحديث بين المدرسة والوالدين، لكنني سرعان ما أدركت أن الكلمات لم تكن وحدها بحاجة إلى ترجمة؛ فالعادات أيضًا كانت تحتاج إلى مترجم.
ما إن نجلس حتى تمتلئ الطاولة بكل ما يمكن أن يخطر في البال: إبريق شاي بالنعناع يفوح عطره في أرجاء الغرفة، وأكواب قهوة، وأصناف متعددة من الحلوى، وخبز طازج، وزيتون، وعسل، وزبدة، وفطائر ساخنة، وأحيانًا أطباق كاملة تكفي لاستقبال عائلة بأكملها، لا زائرين اثنين فقط. كنت أرى الدهشة ترتسم على وجوه زملائي.
كان أحدهم ينظر إلى المائدة، ثم ينظر إليّ، ثم يعود بعينيه إلى المائدة مرة أخرى، قبل أن يسأل هامسًا:
ـ هل كل هذا… من أجلنا نحن فقط؟
كنت أبتسم، لأن السؤال نفسه لم يكن ليخطر ببالي.
في الثقافة المغربية، لا تُقاس الضيافة بعدد الضيوف، بل بمقدار الترحيب بهم.
فالمائدة العامرة ليست استعراضًا للثراء، وإنما رسالة صامتة تقول للضيف: لقد أسعدنا حضورك.
ولهذا لا يكتفي المضيف بعرض الطعام مرة واحدة.
«تفضل.»
«شكرًا، لست جائعًا.»
«خذ قطعة صغيرة على الأقل.»
«لقد تناولت الطعام قبل قليل.»
«لا بأس… تستطيع أن تأكل مرة أخرى.»
وفي المغرب، لا يُعد الشبع حجة مقنعة.
كان زملائي الهولنديون يندهشون من هذا الإلحاح اللطيف، بينما كنت أنا أندهش من دهشتهم.
ولم أكن أعلم آنذاك أنني، بعد سنوات، سأقف حائرًا أمام علبة بسكويت صغيرة، لأتعلم منها درسًا آخر عن معنى الضيافة
كانت أولى مفاجآتي قد حدثت قبل ذلك بسنوات، في أول يوم عمل لي بإحدى المدارس الهولندية.
حين حل وقت استراحة الظهيرة، توجه المعلمون إلى قاعة المعلمين، وجلس كل واحد في مكانه.
كنت أراقب المشهد باهتمام، منتظرًا ما ستأتي به الاستراحة من مفاجآت.
فتح الزميل الأول صندوق غدائه، فأخرج شطيرتين من الخبز مع الجبن.
وفعل الثاني الشيء نفسه. أما الثالث، فقد بدا أكثر تنوعًا؛ إذ كان يحمل… شطيرتين أخريين بالجبن!
ابتسمت في نفسي، وقلت: لا بد أن هذه مجرد بداية.
لا شك أن الحساء سيصل بعد قليل، أو ربما طبق ساخن، أو سلة خبز يتقاسمها الجميع.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
أكل كل واحد ما أحضره من بيته، ثم أغلق صندوقه، وعاد إلى عمله وكأن الأمر انتهى.
أما أنا، فقد بقيت أنتظر وجبة لم تأتِ أبدًا.
في تلك الأيام كنت أصف الغداء الهولندي بأنه «الفطور الثاني».
ففي الصباح خبز، وعند الظهيرة خبز مرة أخرى، أما الوجبة الساخنة فلها موعد ثابت في المساء، موعد يكاد يكون مقدسًا.
ومع مرور الأيام اكتشفت أن احترام المواعيد في هولندا لا يقتصر على القطارات والاجتماعات، بل يشمل حتى… البطاطس.
وذات يوم، حدثني جاري الهولندي، ماكس، عن عادة لم أصدقها في البداية. قال لي:
” إذا زرت صديقًا وقت العشاء، فقد يدعوك إلى الجلوس… لكنه لا يدعوك بالضرورة إلى تناول الطعام”.
ظننت أنه يمزح.
سألته مستغربًا:
“ يجلسني إلى جانبه… ثم يبدأ بالأكل؟”
ضحك وقال بكل بساطة: ” نعم، ولم لا؟ لقد أعد الطعام لأفراد أسرته فقط”.
ظللت صامتًا لحظة، أحاول أن أتخيل المشهد.
صديقي يأكل طاجينه باللحم والخضر في هدوء، وأنا أجلس بجواره أحصي عدد لقماته، وأتظاهر بأنني لا أشعر برائحة الطعام!
أضحكتني الفكرة، لكنه لم يكن يضحك. بالنسبة إليه، كان الأمر طبيعيًا تمامًا.
أما بالنسبة إلي، فقد بدا وكأنه امتحان قاسٍ للصداقة.
قبل استقراري بالديار الهولندية ، زرت صديقة فرنسية في شمال فرنسا.
وفي صباح اليوم التالي، سألتني والدتها بكل جدية:
“ كم غرامًا من اللحم تتناول عادة في وجبة الغذاء؟”
ظننت أنني لم أفهم السؤال. “كم غرامًا؟”
أومأت برأسها. “نعم… تقريبًا”.
لأول مرة في حياتي أفكر في شهيتي بوحدة «الغرام».
في بيتنا، وفي بيوت أقاربنا، وحتى في القرى المغربية الفقيرة التي عملت فيها معلمًا، لم يسألني أحد يومًا عن عدد الغرامات التي أحتاجها.
كان السؤال دائمًا أبسط بكثير:
«هل شبعت؟»
وفي ذلك اليوم ذهبت السيدة إلى السوق، واشترت من اللحم ما يكفي الجالسين, لا يزيد ولا ينقص.
أعجبتني دقة التنظيم، لكنني لم أستطع إخفاء دهشتي.
وحين حكيت القصة بعد ذلك لأصدقاء في المغرب، سألني أحدهم ضاحكًا:
ـ وماذا لو بقيت جائعًا؟
لم أجد جوابًا. واكتفيت بالقول:
“ ربما كان ينبغي أن أطلب مائة غرام إضافية… احتياطًا”
لكن الدرس الذي بقي عالقًا في ذاكرتي أكثر من غيره، لم أتعلمه في مدرسة، ولا في زيارة منزلية، ولا حتى على مائدة عامرة.
تعلمته من… علبة بسكويت.
كنت مدعوًا لزيارة إحدى الأسر الهولندية.
جلسنا في غرفة الجلوس، وتبادلنا أطراف الحديث، ثم جاءت ربة البيت تحمل صينية صغيرة، وضعت عليها فناجين القهوة، وإلى جانبها علبة معدنية أنيقة.
فتحت العلبة بهدوء.
كانت قطع البسكويت مصطفة في الداخل بعناية، وكأن كل واحدة منها تعرف مكانها، ولا تفكر في تجاوزه.
تناول كل واحد قطعة واحدة.
وفعلت مثلهم.
ثم، بهدوء لا يقل عن هدوء فتحها، أغلقت ربة البيت العلبة. انتهى الأمر.
واصلنا الحديث، وشربنا القهوة.
انتظرت قليلًا.
قلت في نفسي: ربما هذه الجولة الأولى فقط.
بعد دقائق، امتلأت الفناجين بالقهوة مرة أخرى.
ألقيت نظرة خاطفة نحو العلبة.
كانت لا تزال في منتصف الطاولة، مغلقة بإحكام، كأنها خزانة صغيرة تحتفظ بسر لا يجوز الاقتراب منه.
كلنا كنا نعرف ما بداخلها، لكن لم يمد أحد يده إليها، ولا بدا أنه ينتظر أن تُفتح من جديد.
تساءلت في سري: لماذا بقيت العلبة على الطاولة؟
أهي جزء من الزينة؟
أم امتحان خفي لضبط النفس؟
أم أنها تقول، بصمت مهذب، إن لكل شيء حدًا ينبغي ألا نتجاوزه؟
ابتسمت. ولم أطرح السؤال على أحد.
ومع مرور السنوات، أدركت أنني كنت أبحث عن تفسير مغربي لمشهد هولندي.
في الثقافة التي جئت منها، لا تُغلق الضيافة بهذه السرعة. إذا انتهت الحلوى، جاءت أخرى.
وإذا امتلأ الفنجان، امتلأ معه الطبق.
وإذا قال الضيف: «شكرًا، يكفيني»، سمع غالبًا جوابًا يعرفه كل مغربي:
«خذ واحدة أخرى… من أجل خاطرنا.»
أما هنا، فكان الأمر مختلفًا.
القطعة الواحدة لم تكن علامة بخل، كما ظننت في البداية، بل كانت جزءًا من نظام غير مكتوب؛ نظام يقوم على الاعتدال، وعلى احترام الكمية، وعلى تجنب الإسراف.
لقد احتفظت العلبة بما بقي فيها، ليس لأن أصحاب البيت لم يرحبوا بي، بل لأنهم اعتادوا أن تكون لكل مناسبة حدودها، ولكل شيء مقداره.
عندها فقط فهمت أنني كنت أقرأ المشهد بلغة غير لغته. واكتشفت أن الضيافة ليست وصفة واحدة تتكرر في كل مكان.
في المغرب، يشعر المضيف بالسعادة كلما ألحّ على ضيفه أن يأكل المزيد.
وفي هولندا، يشعر المضيف بالارتياح حين يكون قد هيأ ما يكفي الجميع، دون زيادة أو نقصان.
لكل شعب طريقته في التعبير عن الكرم.
هناك من يعبّر عنه بوفرة ما يقدمه.
وهناك من يعبّر عنه باحترام راحة ضيفه، وخصوصيته، وعدم إحراجه بالإلحاح.
ولم تعد علبة البسكويت، في نظري، مجرد علبة.
أصبحت درسًا صغيرًا في فهم البشر.
تعلمت منها أن العادات ليست حقائق مطلقة، بل أبناء بيئاتها وتاريخها وظروفها.
وأننا، حين نحكم على ثقافة أخرى بمعايير ثقافتنا، نرى نصف الحقيقة فقط.
أما النصف الآخر، فلا يظهر إلا حين نفتح قلوبنا… قبل أن نفتح علبة البسكويت.
ومنذ ذلك اليوم، كلما قُدم لي فنجان قهوة، ونظرت إلى علبة بسكويت على الطاولة، ابتسمت.
لا لأنني ما زلت أنتظر أن تُفتح مرة أخرى…
بل لأنني كلما رأيتها، تذكرت أول درس حقيقي تعلمته عن هولندا
مصطفى الخداري . من مذكرات رجل تعليم بين المغرب وهولندا
