الصيف: فصل جامع مانع
بقلم الدكتور سدي علي ماء العينين، أكادير، فاتح غشت 2026
الصيف هو الحرارة، وهو العطلة والمهن الموسمية والسفر، وهو الشواطئ المكتظة بالمصطافين، والسهرات والأعراس، والأكل في الشوارع، وارتباك مواعيد الوجبات وأوقات النوم.
وهو الزيارات العائلية التي باتت تبحث عن مكان لقضاء العطلة أكثر من بحثها عن صلة الرحم، وهو الجالية التي تعود محملة بشوق الوطن، والعملة الصعبة، والمتلاشيات التي جُمعت من شوارع العالم لتُفرش في المحلات.
الصيف عند البعض استعداد لحياة جديدة؛ إما بزواج، أو التحاق بالجامعة للدراسة، أو انتظار دخول مدرسي للالتحاق بالعمل في منطقة من مناطق البلاد، وهو مسار جديد لرجال السلطة وأسلاك الأمن بانتقالهم في إطار الحركة الانتقالية.
الصيف هو موسم الجني للفنانين المشاركين في المهرجانات والمواسم والحفلات العامة والخاصة، وهو فترة المواسم الدينية حيث الأذكار والإطعام وصلة الرحم. الصيف حرارة في مدن الداخل وبرودة في مدن الساحل، مدن مهجورة وأخرى مكتظة، هجرة جماعية، وتجمعات أسرية، وكراء للمنازل، وحجز لتذاكر الحافلات، وازدحام على الطرقات.
وهو أيضاً حرائق الغابات، وتلويث المنتزهات، وتزايد أطنان النفايات وتراكم الأزبال بالشوارع والشواطئ في أغلب الجماعات.
الصيف هو حب الصدف؛ إذ تقول الحكايات إن الحب الذي يولد في الصيف حب بارد لا يدوم، بينما حب الشتاء دافئ ويطول، حب الصيف يذوب تحت الشمس، وحب الشتاء يؤدي إلى قاعات الأعراس في الصيف.
الصيف أيضاً هو الموت؛ حوادث على الطرقات، وغرق في الشواطئ والأودية والبحيرات، وموت عادي في المنازل والمستشفيات، لكن صوت الأمواج وإيقاع المهرجانات يعلوان على صوت المآذن والعزاء وتكريم الوفيات.
الصيف هو الحياة في صخبها، والشوارع في ضجيجها، والنفوس في مرحها، والقلوب في تماهيها، والبيوت في لعب أطفالها، والمشي ليلاً بحثاً عن برودة، والاختباء نهاراً بالبيوت أو ولوج الشواطئ والأنهار بحثاً عن انتعاشة مفقودة.
هذا هو الصيف، أو هكذا يبدو لنا، أو هكذا أردناه أن يكون متميزاً عن كل الفصول، فجعلناه عطلة عن الفصول الدراسية، وفرصة للإجازة السنوية والاستراحة من تعب السنة وشقاء العمل وثقل المسؤوليات والتفرغ للأبناء ومجالسة الأحباب.
ورغم طول سواحل المغرب، فإن مناطق الداخل أكثر مساحة وكثافة سكانية، والهجرة منها هرباً من الحرارة إلى المدن الساحلية أمر لا يتحقق للجميع، فتجد المدن الداخلية تعيش ويلات الحر ليلاً ونهاراً، وساكنتها لا تملك ما تسافر به لتبقى قابعة في منازلها التي تقاوم الحرارة ببناء الطوب وسط الحشرات الزاحفة والأمراض الجلدية.
هؤلاء المغاربة لا نجد لمعاناتهم مكاناً في الإعلام العمومي ولا في الكتابات الصحفية، والغريب أنه كلما تغير طقس المدن الساحلية عبر موجة حر عابرة، تصبح حديث الساعة ويبدأ الجميع بالتعبير عن قساوة الحرارة وخسائرها.
فللذين يشكون من حرارة عابرة بالمدن:
يا ليتكم تكتبون عن معاناة مغاربة مدن الداخل الذين يعانون في صمت عبر السنين حتى أصبحت لديهم مناعة من الحرارة وألفت أجسامهم لسعات الحشرات.
نعم، لا نملك ما نقدمه لهؤلاء غير أن نتعاطف معهم، وأن نتحاشى التباهي ببرودة مدننا، ولا نبدو وكأننا لسنا في وطن واحد يجمعنا كمغاربة.
قد لا نكون مسؤولين عن الحرارة وتوزيعها، ولا عن المناطق وتمايزها، لكننا مدعوون إلى الكف عن الشكوى بسبب حرارة عابرة بينما لا نحس بحرارة دائمة في مناطق الداخل، فهل تعتبرون؟
