الدافري: عندما إستضافني كاتب روائي ومسرحي فرنسي من أصل أرجنتيني في إقامته الهادئة بباريس في زقاق بجوار كنيسة ساكري كور
عندما استضافني كاتب روائي ومسرحي فرنسي من أصل أرجنتيني في إقامته الهادئة بباريس في زقاق بجوار كنيسة ساكري كور
كتبها: الإعلامي أحمد الدافري
كان ذلك في غشت 1989.
كانت باريس تختنق تحت حرارة الصيف الثقيلة، فارغة من سكانها..
لكنها كانت آهلة بالصور الهاربة من أحلامي.
كان ذلك الصيف نقطة التقاء بين عالمين.
عالم الحلم الهارب من خيالي الذي كان يعج بالاستيهامات.
وعالم المغامرة الأولى التي تمنح فرصة الانغمار في التجارب والاكتشافات.
قبل شهر واحد، وتحديدا، في يوليوز 1989، كان كاتب فرنسي من أصل أرجنتيني، اسمه خوان باوتيستا بينييرو Juan Bautista Piñeiro قد قدم من باريس نحو أصيلة بحثا عن فكرة روايته الثالثة، بعد روايته الأولى “السفر العاري” (Le Voyage nu) التي صدرت سنة 1977، وروايته الثانية الشهيرة والناجحة “عشاق النيل” (Les amours du nil) التي صدرت في مطلع عام 1981 عن دار النشر الفرنسية الشهيرة Robert Laffont.
كنت أنا حينها في سن السادسة والعشرين.
وكان خوان بينييرو في الرابعة والأربعين من عمره.
وزيادة على كونه روائيا، كان معروفا في الوسط الثقافي الفرنسي بأعماله المسرحية التجريبية والشعرية، وارتبط اسمه بشكل وثيق بفرقة المسرح الأرجنتينية الشهيرة في باريس “Groupe TSE”، التي كان يديرها المخرج الفرنسي من أصل أرجنتيني المعروف ألفريدو آرياس Alfredo Arias، الذي أخرج لخوان باوتيستا بينييرو مسرحية العذراء (La vierge Vierge) عام 1976، وكانت هذه هي أولى التجارب المسرحية البارزة لخوان بينييرو مع فرقة TSE، كما أخرج ألفريدو آرياس لخوان بينييرو مسرحية “بولفار الميلودراما” (Boulevard du mélodrame) سنة 1985، وتُعد هذه المسرحية أضخم وأشهر أعماله مع فرقة TSE، وكتبها بينييرو خصيصاً عندما تولى المخرج “ألفريدو آرياس” إدارة مسرح بلدية أوبيرفيليي (Théâtre d’Aubervilliers)، وقد استوحى بينييرو النص من المسرحية الفرنسية الكلاسيكية القديمة “نُزل الأدريت” (L’Auberge des Adrets)، وقام بإعادة صياغة المشاهد الأخيرة برؤية معاصرة مشحونة بالشعر المعاصر، وقد جسد شخصية البطل الشهيرة “روبير ماكاير” في هذا العرض النجم السينمائي الفرنسي الراحل جون روشفور (Jean Rochefort)، كما أن خوان بينييرو كان قد كتب ونشر سنة 1983 مسرحية عنوانها كونغو كاميليا (Congo Camélias)، لكنها لم تكن قد تحولت إلى عرض فوق خشبة المسرح، وهي نص مسرحي ساخر وهزلي، أعاد خوان بينييرو فيه بأسلوب مسرحي محاكاة الرواية الكلاسيكية الشهيرة “غادة الكاميليا” (La Dame aux camélias) للكاتب ألكسندر دوما، بطريقة تهكمية بارودية.
الذي عرفني على خوان باوتيستا بينيرو هو صديقي معاذ جباري، أستاذ الفنون التشكيلية، والذي كان عضوا مؤسسا معي لجمعية اللقاء المسرحي بأصيلة، وكان هو مصمم ديكور العروض المسرحية التي كنا ننجزها داخل الجمعية، وكان يشارك أحيانا في أداء بعض الأدوار ضمن للمسرحيات التي كانت تقوم على التعابير الجسدية المكثفة.
حين قدم خوان بينييرو إلى أصيلة كان معاذ الجباري هو أول من تعرف عليه، وحين عرف أنه روائي وكاتب مسرحي قدمه لنا داخل الجمعية، فتأسست بيننا علاقة صداقة، وأصيحت أرافقه داخل المدينة وأدعوه لتناول أطباق مغربية، مثل “الكسكس” و”القطبان بالحريرة” وطاجين اللحم بالخضر أوباللوز والبرقوق.
عندما انتهت مدة إقامة خوان بينييرو في أصيلة، أعطاني رقم هاتفه الثابت، وعنوان بيته، ودعاني لزيارته في باريس.
كنا في الجمعية حين زار خوان أصيلة، منهمكين في تحضير عرض مسرحي عنوانه “ويُسدل الستار” يتكون من لوحات تعبيرية راقصة، تقوم على نصوص شعرية لمحمود درويش وأمل دنقل، أدرجت داخلها نصا نثريا كنت كتبته عنوانه “روح القديس”، وكان العرض مبرمجا ضمن برنامج العروض الفنية لموسم أصيلة الثقافي الدولي، بعدما قبل الراحل محمد بن عيسى الطلب الذي وجهناه له من أجل قبول برمجته، وكان الراحل بن عيسى حينها وزبرا للثقافة.
بعد أن قدمنا العرض المسرحي في شهر يوليوز، توجهت إلى القنصلية الفرنسية في طنجة وقدمت طلب الحصول على تأشيرة السفر.
حصلت على التأشيرة بعد يومين من تقديم الطلب والوثائق المطلوبة.
ولم يكن حينها قد تم بعد إحداث فضاء “شنغن” وكانت العملة الفرنسية هي الفرنك الفرنسي.
لممت حقيبتي واقتنيت تذكرة ذهاب إلى باريس في القطار من محطة طنجة، حيث تم نقلنا أولا في حافلة إلى عبٌارة اجتزنا فيها البحر من ميناء طنجة إلى ميناء الحزيرة الخضراء، وهناك ركبنا حافلة أخرى نقلتنا إلى محطة القطار المتوجه إلى محطة أوسترليتز في باريس.
من محطة الجزيرة الخضراء، كان هناك قطار ليلي مباشر يحتوي على عربات نوم مريحة، Couchettes.
وهو قطار لم يعد موجودا الآن.
كان يقطع إسبانيا عبر مدريد، ثم يمر عبر الحدود الفرنسية عند مدينة هنداي Hendaye.
عندما وصلت إلى محطة القطار أوسترليتز ومررت عير مراكز المراقبة الأمنية والجمركية، قمت بتحويل ورقة عشرين فرنكا إلى قطع نقدية معدنية من فئة فرنك وفرنكين لدى أحد حراس السيارات خارج المحطة، وقد كان رجلا كهلا من جنوب المغرب، تكلم معي بالدارجة المغربية ودلني على مخدع هاتفي عندما سألته عنه.
اتصلت من المخدع الهاتفي بخوان الذي كنت اتصلت به من طنجة قبل السفر وأخبرته أنني آتٍ إلى باريس.
سألته عن كيف يمكنني أن أصل عنده.
قال لي : خذ تاكسي وأعطه العنوان وستجدني في انتظارك.
أخذت تاكسي من محطة القطار.
كانت المسافة بين المحطة وبين العنوان طويلة تفوق تصل إلى حوالي عشرة كيلومترات.
وصلت إلى العنوان.
شارع شوفاليي دو لابار رقم 40.
RUE DE CHEVALIER DE LA BARRE, N° 40.
حين وصلت كان عداد سيارة الأجرة قد سجل مبلغ 54 فرنكا فرنسيا.
مبلغ لم أنسه ولن أنساه.
اعتبرت المبلغ كبيرا وقتذاك.
استقبلني خوان بترحاب.
دلني على غرفة في الأعلى وأخبرني أنها هي الغرفة التي سأقيم فيها.
ودلني على الحمّام والمطبخ.
وصعت في الغرفة حقيبتي.
وأخذت حمّاما.
شارع شوفاليي دو لا بار هو زقاق ضيق يصعد نحو مونتمارت MONTMARTRE وهي أعلى نقطة في الدائرة الثامنة عشرة، حيث يبدو صخب المدينة كأنه يتلاشى.
الزقاق ضيق، مرصوف وشديد الانحدار من الأعلى حيث توجد درجات تصعد عبرها إلى ساحة كنيسة ساكري كور SACRÉ-CŒUR “القلب المقدس”.
نزولا عبر الدرجات، الموجودة على يمين الكنيسة، نحو الزقاق الضيق، توجد إقامة خوان بينييرو على بعد حوالي عشرين مترا من بداية الدرجات في الأعلى، على اليسار.
كان سياج حديدي وبوابة ثقيلة يحميان هذه الإقامة التي ائتمنني خوان على مفتاحيها.
عند اجتياز السياج الحديدي والبوابة الثقيلة، تشعر كأنك تدخل محرابا يسوده الصمت.
بعد البوابة ينفتح ممر أمامي.
وإلى اليمين، يقع المطبخ والحمام.
وإلى اليسار، تؤدي بوابة زجاجية إلى حديقة صغيرة خاصة، مخفية عند قدم التلة. وهناك كان يشتغل خوان باوتيستا بينيرو.
كان دائما في وقت عمله، يجلس على كرسي أمام طاولة صغيرة، وينغمر في الكتابة.
كانت القاعدة بيننا ضمنية ومقدسة.
فقد طلب مني ألا أقطع خيط إلهامه إذا وجدته غارقاً في العمل.
لذلك، بعد ما كنت أعود مساء من جولاتي في باريس، كنت أتسلل مثل ظل في الممر، محييا صمته باحترام.
وكنت أمتطي السلم الحلزوني الخشبي، لأصعد إلى الغرفة العليا.
وهناك في الأعلى، كانت الأرضية الخشبية للغرفة، ترسل صريرا تحت خطاي.
كان خوان يشعر بعودتي إلى البيت.
وعندما ينتهي من عمله، كان يناديني، أنضم إليه في الحديقة الصغيرة.
كنت أجلس أمامه، فيرمقني بنظرات ناعسة، وهو يحتضن قطته “إستريليا” التي لا تفترق عنه.
وبفضول يطلب مني أن أحكي له عن يومي.
بالنسبة لكاتب منعزل في عوالمه التخيلية، كان يعجبه أن أحكي له عما فعلت خلال تجوالي، وعن اكتشافاتي المفتوحة على باريس النابضة بالحياة.
كنت أهب له مدينة عملاقة في حكاية واحدة ، وكان يستمع إلي بانتباه لا متناهٍ.
ثم يأتي وقت الليل.
كنا نغادر الفيلا معا، تاركين هدوء شارع “شوفاليي دو لا بار” لننزلق نحو شارع “روشيشوار” الكبير Boulevard de Rochechouart.
وعلى الأرصفة الواسعة، كان الناس يجلسون على المقاعد العمومية تحت ضوء المصابيح.
وعلى مرمى حجر من هناك، كان حي باربيس يضج بعطور شمال إفريقيا.
أما بالنسبة إلينا، فقد كان المسار غير ذلك.
كنا نرفع أيدينا لاستيقاف سيارة أجرة.
وتعقب ذلك رحلة في التاكسي تدوم نحو عشرين دقيقة عبر باريس.
وكانت سيارة الأجرة تحلق بنا نحو القلب التاريخي للضفة اليسرى لترسو بنا في “الحي اللاتيني” العريق.
وهناك، من نوافذ البيسترو الذي كنا نذهب إليه، كان المرء يتأمل المشهد الجذاب لنهر السين وهو يشق العاصمة بمهابة، منعكسا عليه أضواء المدينة.
ما أن ندفع باب البيسطرو، حتى كنا نغرق وسط الصخب.
لا تكلف ولا طاولات مترفة.
كنا نقف متكئين على المنضدة الخشبية للكونطوار، رفقة شلة أصدقاء خوان.
كان أصدقاؤه موسيقيويون، رسامين، وممثلين.
بكأس من الجعة المنعشة أو نبيذ خفيف في اليد، كانت المجموعة تتبادل الأحاديث فيما بينها.
وفي خضم جلبة الحانة، كانت الحوارات تتقاطع.
كانوا يتحدثون فيما بينهم عن أمور حميمة، وعن سرائر شخصية، وطرائف ترتبط وثيقاً بمهنهم، وبتداريبهم، وبلوحاتهم أو مسارحهم.
كنت أقف هناك، معهم، متفرجا، أنصت لتلك الحميمية الفنية الفريدة.
في الليلة الخامسة، وسط الضحكات وقرقعة الكأس، تحولت الأنظار نحو فنان شاب من الشلة.
كان عازف كمان.
وبعينين تلمعان، قال بأنه تلقى للتو بطاقة بريدية من حبيبته التي كانت تقضي أياما من العطلة رفقة والديها على ساحل الريفيرا، بكوت دازور، بعيدا عن كآبة باريس.
وهو يمسك بكأسه، كان الموسيقي يروي الكلمات التي خطتها له حبيبته.
لكن الفراغ بات أثقل من أن يحمله قلبه الرومانسي.
وبعزيمة، أمام المنضدة، قال بأنه سيتخلّى عن كل شيء لبضعة أيام، وسيستقل القطار ليلتحق بها هناك، تحت شمس الجنوب.
لقد شرب وسكر.
وعندما سكر تذكر حبيبته.
في تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت أصوات شلة الفنانين تتردد حول منضدة الزنك، بدأ ديكور الحانة الباريسية يتلاشى من أمام عيني.
لقد جعلني سرد ذلك الموسيقي العاشق أهتز.
طار عقلي، فعبر نهر السين والحدود، محلقاً بعيدا عن باريس، نحو الجنوب، إلى الضفة الأخرى من المتوسط.
وجدت نفسي أعود إلى المغرب، منغمسا في أجواء موسم أصيلة الثقافي الفريدة والنابضة بالحياة.
استعدت الأسوار البيضاء التي تلسعها أمواج المحيط، والجداريات الملونة التي رسمها الفنانون على جدران المدينة العتيقة، ونسيم البحر الساحلي الأطلسي.
وهناك، وسط تلك الفورة الفنية المغربية، تذكرت نعيمة.
نعيمة…
عاد وجهها يراودني في الذاكرة،
وتذكرت تلك اللحظات الثمينة الأولى التي شرعنا فيها نتعرف على بعض، ونتبادل العوطف والابتسامات، ونتقاسم النقاشات في عتمة الليل المظلل.
ومثل ذلك العازف الذي يحترق شوقا للالتحاق بحبيبته على ساحل الريفيرا، شعرت بحنين عذب يجتاحني.
وفي قلب الحي اللاتيني، محاطا بالرسامين والكتاب، كان قلبي أنا يسبح في أزقة أصيلة، متعلقا بذكرى نعيمة.
انتهت السهرة وقطعنا طريق العودة نحو تلة مونمارتر.
وحين اجتزنا من جديد باب الرقم 40 بشارع “شوفاليي دو لا بار”، محاطين بصمت الليل، عزمت على إعلان قراري لخوان.
“خوان، أنا عائد إلى المغرب في غضون يومين”، قلت له.
رمقني خوان بذلك التعاطف الخاص بالأصدقاء القدامى.
وبعيدا عن التأثر برحيلي الوشيك، ابتسم وأجابني فورا بأنه قد دبر الأمر كي نقضي مع بعض يومنا الكامل الأخير في باريس.
“لقد وضعت برنامجا للغد”، قال لي.
وبنبرة دافئة وحماسية، طلب مني مرافقته في الغد لموعد استثنائي.
كان مدعواً لتناول الغداء لدى صديقته، الفنانة التشكيلية السريالية الشهيرة والساحرة ليونور فيني، مباشرة في شقتها الباريسية.
(يُتبع)
وهذا ما كان.


