كولوش في الصندوق بلا لحم بلا برقوق .
كتبها: حفيظ البدري
شاهدتُ فيلم L’Affaire Coluche، فوجدتني لا أشاهد فقط حكاية كوميدي فرنسي قرر سنة 1981 أن يدخل سباق الانتخابات الرئاسية، بل وجدتني أشاهد شيئاً يشبه مرآة معلقة أمام المشهد السياسي المغربي اليوم.
قلت لنفسي: ماذا لو خرج كولوش من الشاشة ودخل إلى انتخابات 2026؟
ثم ضحكت.
ليس لأن الفكرة مستحيلة، وإنما لأنني لم أعد متأكداً من أن السياسي سيكون أكثر جدية من المهرج.
كولوش لم يدخل الانتخابات لأنه اكتشف فجأة أنه سياسي. دخلها لأنه إكتشف أن السياسة نفسها أصبحت مادة صالحة للكوميديا.
وحين بدأت مزحته تتحول إلى أرقام في استطلاعات الرأي، بدأ السياسيون يأخذونه على محمل الجد.
هنا بالضبط تُفهم قوة الكوميديا: السياسي يستطيع أن يتحمل الشتيمة، لكنه لا يتحمل دائماً أن يضحك الناس عليه.
أرى أن كولوش لم يكن يحتاج إلى برنامج انتخابي بشكل تقليدي، أو قيادة بعدة رؤوس في انتظار النجاح في الانتخابات..
كان يحتاج فقط إلى ميكروفون وجمهور.
وكان الجمهور موجوداً. وهذه، في رأيي، أخطر من وجود حزب.
ومن أقواله التي تجعلني أفكر في واقعنا السياسي قوله: «السياسيون يشبهون الثقوب في الجبن السويسري: كلما زاد الجبن زادت الثقوب، وللأسف، كلما زادت الثقوب قلّ الجبن».
أقرأ هذه الجملة وأتساءل: كم بقي من الجبن بعد كل هذه الثقوب؟..
إنها المخدرات..
ثم يقول كولوش: «السياسة لا علاقة لها بالأخلاق، فالسياسي يحتاج فقط إلى ضمير مرتاح وذاكرة سيئة».
وأرى أن الذاكرة السياسية القصيرة قد تكون أحياناً نعمة للسياسي ونقمة على المواطن.
فالأمس يختفي بسرعة، والوعود القديمة تُدفن تحت وعود جديدة، والانتماءات تتغير كما تتغير ديكورات المسرح.
أنا شخصياً لا أفهم أحياناً أين ينتهي البرنامج الانتخابي وأين يبدأ الترحال السياسي. الأمس شيء، واليوم شيء آخر، وغداً ربما شيء ثالث.
والثالثة ثابتة . ربما…
ولذلك أقول ساخراً:
«خاصنا لجنة التقصي، وهو يقصي ولخور يقصّي.
يأكل ..وانت خاصك، بلا ما تتسنا: كول ووكّل. راه مشى نصفها. وولات: كُول وأنت تفرج وصفّق.
ويبقى ليك غير المؤشر ..».
عندهوم الحق. حيت إلى شبعات الكرش كتقول للرأس: غني. وهما مبغوناش نغنيو…
وقتاش تغني يا قلبي…؟
أنا لا أضحك هنا لأن الموضوع مضحك، بل لأن البديل عن الضحك قد يكون البكاء.
لهذا أحتفظ به لما بعد الانتخابات. الآن الفراجة.
وبعدها… ضحكنا ما غيجمعوه شراوط.
حسب كولوش: «اليمين يبيع الوعود، واليسار يحطم الآمال».
وأنا حين أضع هذه العبارة أمام المشهد المغربي، أجد نفسي أبحث عن جهة ثالثة: جهة لا تبيع الوعود ولا تحطم الآمال، بل تحاول أن تصنع شيئاً من واقع الناس.
المواطن الذي يظهر بكثرة في الخطب الانتخابية، وغالباً ما يكون فاقداً للبوصلة، ويظهر باعتباره رقماً، يصبح «الشعب» في الخطاب و«الناخب» في الحساب.
ثم يعود مواطناً عادياً بعد انتهاء الانتخابات.
وسنسمع ضحكاته اللي ما غيجمعوها شراوط.
أتساءل: هل الانتخابات تبحث عن المواطن، أم أن المواطن هو الذي يبحث عن انتخابات تشبهه؟
حتى الشباب.
الشباب كلمة أصبحت نجمة وسيدة الخطاب السياسي، لم يعد يملك رفاهية الانتظار.
«الدراري ديال دابا مافيهمش ما يتسناو الانتقال الديمقراطي والاجتماعي، مشاو ليه سباحة ديريكت».
«سبعون ألف شاب فرّوا سباحة على الظهر. وفي الألعاب الأولمبية نرسل سباحة، كنتمناو غير ما يغرقوش».
أما الأطفال فقد فرّوا بعدما أعيتهم لعبة الكر والفر، وتمنّوا لو أعفوهم من الفر وخلاو لهم غير الكر.
ضحكنا… وضحكنا ما يجمعوه شراوط.
أذكر أنه منين كنا صغار، كنا كنلعبو البوليس والشفارة. الدراري ديال دابا كيلعبو البوليس والمعطلين، حيت الشفارة مبقاوش… كيتقبطوا.
قد يبدو المشهد الذي لا أتمنى أن يشاهده أحد ساخراً، لكنه بالنسبة إليّ صورة لجيل لم يعد يرى المستقبل في الأفق، بل يراه وراء البحر.
ربما فهم وسمع كلمة «الشباب» على أنها «الشا الباب»، وقصد باب مليلية وسبتة..
أظن أن المشكل هو: هاذ الجيل مكيسمعش مزيان…
وضحكوا ما غيجمعوه شراوط.
الكوميديا هي وضع الإصبع على الجرح.
ومن هنا أعود إلى كولوش.
لقد كان يعرف أن الضحك يمكن أن يكون فعلاً سياسياً. وأنا أعتقد أن الفنان المغربي يستطيع أن يفعل الشيء نفسه، شرط ألا يقبل أن يكون مجرد زينة انتخابية.
تنتهي الانتخابات ليجد نفسه كحفرية مهملة تنتظر اختصاصيي التراث لكي يزيلوا عنها الغبار بشيتاتهم..
السياسة تحب الفنان الذي يغني في المنصة، وفي الكواليس يرفع حرارة الحملة، ويلتقط الصور، ويمنح المرشح بعضاً من بريقه.
لكنها لا تحب دائماً الفنان الذي يمسك المرآة ويقول: أنظروا إلى أنفسكم.
ولهذا فالكوميديا التلفزية ديالنا كتصلح غير للمرشحين ، حيت كيصعاب عليهم يضحكو على همومنا السوداء..
أما إذا ضحك الفنان على السياسي، فهنا تبدأ المشكلة.
كولوش يقول:
«لو أن كل الذين لا يملكون شيئاً كفّوا عن طلب المزيد، لكان من السهل جداً إرضاء الجميع».
وأحياناً أشعر أن مشكلتنا ليست في نقص الكلام، بل في فائضه الذي لا علاقة له بجيوب المواطنين.
لهذا أصبحت أفكر بأن أجعل سروالي بلا جيوب.
الجيوب عيوب.
تخليك تفكر، تعمرها بالمال السايب، اللي كيعلمك تصيب شركة بلا ما تخلص الضرائب.
أضحك، لكنني أعرف أن وراء الضحك سؤالاً ثقيلاً: من أين يأتي المال؟ وإلى أين يذهب؟ ومن يدفع ثمنه؟
وأتذكر كولوش حين كان يحوّل السياسة إلى مادة للضحك، فأفكر أن الكوميديا ليست دائماً هروباً من السياسة. أحياناً تكون الطريقة الوحيدة للدخول إليها.
والدخول إليها يُستحب في شهر فبراير.
تيمناً بنصيحة كولوش:
«شهر فبراير هو الشهر الذي يكذب فيه السياسيون أقل من بقية الشهور، ببساطة لأنه يحتوي على 28 يوماً فقط».
وأنا أقول: لو كان فبراير عندنا أطول، هل كانت الوعود ستحتاج إلى شهر إضافي؟
ولو أن هنري برغسون، صاحب كتاب «الضحك»، شاهد بعضاً من هذه الكوميديا اللاسياسية واللاجتماعية، فأنا متأكد أنه كان سيحتاج إلى جزء ثانٍ منه، عنوانه: «تهجروه».
حيت مفخباروش حنا هاجرناه ،واللي ما هاجروش غيفكر يهجّرو.
وهنا، بالنسبة إليّ، تصبح الكوميديا أكثر جدية من الانتخابات نفسها.
لأن البحر الذي يعبره الشباب يمكن أن يصبح صندوق اقتراع آخر؛ يصوّت فيه الإنسان بجسده على مستقبل لم يعد يراه.
لهذا أرى أن كولوش لم يكن مهرجاً دخل السياسة، بل كان سياسياً إكتشف أن أفضل سلاح لديه هو أن يبقى كوميدياً، مهرجاً..
كولوش يمنح كلمة مهرج معنى وازنا..
وشخصياً، لا أريد أن أكون كولوش المغربي الذي سيترشح للانتخابات، وينتهي بي الأمر تحت عجلات شاحنة كما وقع له.
في سفر على موتور الى كوت دازور .
يقال، في بعض الروايات التي رافقت وفاته، إنها كانت مقصودة باش يخليوه يموت بالضحك.
أما أنا، فلا أريد أن أموت بالضحك .
أحتاج فقط إلى أن أكون فناناً يستطيع أن يقف خارج الخشبة، ينظر إلى العرض، ثم يسأل:
واش هادي انتخابات، ولا عرض آخر من عروض الكوميديا؟
ثم أضحك.
وضحكي ما غيجمعوه شراوط.
لأنني أعتقد أن المشكلة ليست في أن المهرج يُضحك.
المشكلة تبدأ عندما يصبح المهرج أكثر صدقاً من السياسي.
وعندما يحدث ذلك، فالمشكلة، في النهاية، ليست في المهرج.
المشكلة في الخشبة.
ولغة الخشب..
كولوش فالصندوق بلا لحم بلا برقوق .
حفيظ البدري

