USFP bann

سر محبة الناس لك

شذرات معينية 01:

سر محبة الناس لك 

بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين، (المقال 01)

 خرجت إلى الناس، أصافح وأجالس وأناقش وأتواصل عن قرب أو بعد. 

وفي خضم نقاشاتي وحواراتي سألني عابر في حياتي العابرة: 

كيف نجعل الناس يحبوننا؟

 ويعرفوننا؟

 ويُسَخَّرون لنا؟

هذا العابر كان يعبر عن إعجابه بما راكمته في تقديره من “شهرة” ومعارف وعلاقات، وهذه الأسئلة الثلاثة المركبة هي التي أوحت لي بكتابة هذا المقال:

أتفهم حرص كثير من الناس على البحث عن محبة الناس، فتلك غريزة كل الكائنات، كما أتفهم سعي الناس لإرضاء الناس رغم علمهم اليقين أن إرضاء الناس غاية لا تدرك. 

كما مرت بي مشاهد من الحياة لناس كل همهم إرضاء أنفسهم رغم علمهم بتقلبات النفس، وآخرون يرون في الوجود معركة معلنة من المهد إلى اللحد فتجدهم يعتبرون كل ما يحيط بهم وضعهم الله في طريقهم كي يسخرهم لما هم إليه طامحون.

كلام يجرنا جراً إلى النفس البشرية التي تجعل الواحد منا يزهو بلباس أو تسريحة شعر أو سيارة أو أي شيء من متاع الدنيا، فيقف أمام المرآة مبهوراً بطلعته وهندامه وجسده، شاكراً العلم الذي لم يصل بعد إلى جعل المرآة تظهر بواطن الجسد والنفس الأمارة بالسوء، ناسياً أن الكرة الأرضية ليست سوى كوكب بين ملايين المجرات في هذا الكون الفسيح.

 حتى إنك في غفلة من نفسك وروحك تكتشف أنك نادراً ما تتطلع إلى السماء، حيث تلهيك أمور الأرض عن رفع عينيك لترى قمراً جميلاً أو نجماً ساطعاً أو شمساً حارقة.

 وكأني بمن لا تستهويه رؤية السماء كالدجاج الذي يظل منحني الرأس ينقر الأرض بحثاً عن لقمة، وآخرون يحلقون في السماء كالنسر لكن يتغافلون عن أن النسر موضعه الأعالي وينظر إلى الأرض حيث فريسته.

كي يحبك الناس لا بد لك من تأشيرة الدخول إلى القلوب، وهي تأشيرة قنصلها هو الخالق، فكلما جعلته يحبك وكانت طلب تأشيرتك عنده مستجابة كلما منحك حق السفر إلى كل قلوب البشرية. 

فلن يحبك أحد بصدق ما لم تحب الله بصدق وإيمان. 

ولأن الحب ليس نوايا، فإن عملك كلما قربك من خالقك كلما سخر لك عباده في طريقك.

 وأجمل ما في الصلاة أنها تجمع بين النظر إلى السماء ابتهالاً وملامسة الأرض سجوداً وبين السماء والأرض ركعة في المنتصف.

وكي يعرفك الناس فليس بمقدورك أن يعرفك كل الناس، كما ليس بإمكانك أن تصل إلى كل الناس، ومن يعرفونك أو جعلتهم يعرفونك فالمعرفة تحددها أفعالك وترسم ملامحها سلوكاتك وتنبني عليها انطباعات الناس وأحكامهم عليك بالسلب أو الإيجاب.

أما كيف يسخر الله الناس لك، فإن كان طريقك طريق خير سخر لك الخيرين، وإن كان طريقك سوءاً سخر لك السيئين. 

ولأن هناك شيطاناً يغري النفوس الضعيفة فستجده متربصاً بك يدعمك في شرك ويعرقل لك خيرك، وهو امتحان وابتلاء. 

ولأن الله رحمن رحيم، فإن سلكت طريق الشر يسخر في طريقك من يعيدك إلى رشدك، وإن سلكت طريق الخير يسخر لك من يحصنك من شرور طريقك.

هنا تبرز الحكمة الربانية في أنك كلما أحببته أحب الناس فيك، وكلما تعرفت إليه عرفك الخير من الشر، وكلما سخرت ما وهبك من قدرات لخدمة كونه ومخلوقاته زادك قدرة وطاقة ومد في عمرك.

تذكر فقط أن الحياة ليست سباق ركض سريع للوصول إلى خط النهاية، بل هي ركض للوصول إلى خط البداية، لأنك عندما تدرك أن خط الوصول هو خط البداية ستدرك أن الموت إذا كان هو النهاية كما يشاع، فإن الحقيقة أنه البداية لعالم آخر لا تحتاج فيه لمحبة أحد، ولن يعرفك فيه أحد، ولن يسخرك الله لأحد ولا يسخر لك أحداً.

أحبوا الله تمتلكون مفاتيح الكون وتحصلون على تأشيرة عالم ما بعد خط الوصول، فهل تعتبرون؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*