إنطباعات عن المشهد السياسي و الحزبي بالمغرب بعد نتائج تشريعيات شتنبر 2026.

إنطباعات عن المشهد السياسي و الحزبي بالمغرب بعد نتائج تشريعيات شتنبر 2026.

بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين, أكادير,اكتوبر 2026.

تتجلّى في تعاطي منصات التواصل الاجتماعي مع نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة مفارقة عجيبة؛ فالعودة القوية لحزب العدالة والتنمية لا يستطيع أحد إنكارها، وما كان لأحد قبل صدور النتائج أن يميّز بين المقاعد المحصل عليها في البوادي وتلك المحصل عليها في المدن. 

غير أنه بمجرد تعثر الحزب في الظفر بعدد من مقاعد البوادي، أُطلق العنان للذباب الإلكتروني لينعت ساكنة البوادي بالأمية والجهل وببيع الأصوات والخضوع لهيمنة السلطة بل والتزوير.

وكأن صحوة حزب العدالة والتنمية عامي 2011 و2016 ـ عقب تداعيات الربيع العربي كانت محكومة بعوامل خارجية ـ تفرض علينا التسليم بأن ذلك هو المدى الأقصى لإشعاعه، وفي الوقت نفسه إلغاء قدرة باقي الأحزاب على التأطير واستمالة الناخبين من موقعها داخل الأغلبية والمشاركة الحكومية.

وبالمنطق الغريب ذاته، يُراد لنا أن نصدق أن التصويت في هذه الانتخابات كان عقابيًا للحزب الذي ترأس الحكومة، وأن نتائج هذا العقاب توزعت لصالح الأصالة والمعاصرة المشارك في الحكومة، ولصالح العدالة والتنمية وفيدرالية اليسار اللذين كانا في المعارضة.

 ولو تحدثنا بلغة الأرقام، لقلنا إن الرابحين عدديًا هم ثلاثة أحزاب: الأصالة والمعاصرة من داخل الحكومة، والعدالة والتنمية وفيدرالية اليسار من المعارضة. 

وتستمر الغرابة حين يُراد منا قبول التحليل القائل إن العقاب شمل أيضًا أحزاب الاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية لضعف أدائها في المعارضة كما يُدعى، في حين أن واقع الحال يؤكد أن الأحزاب الثلاثة المشكّلة للحكومة السابقة هي نفسها التي احتلت المراتب الثلاث الأولى.

 بل إن جميع الوزراء المترشحين فازوا بمقاعدهم باستثناء وزير واحد، وهو ما يُعدّ في الديمقراطيات العالمية دليلًا على تزكية الشارع لعمل الحكومة.

إن قياس الغضب الشعبي بصناديق الاقتراع في المغرب يظل أمرًا شائكًا؛ فالشارع الذي رفع شعار المقاطعة ضد عزيز أخنوش هو نفسه الذي مكنه من المركز الأول بعد تلك الحملة ليصل بعدها إلى رئاسة الحكومة في 2021.

 كما أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي واجه معارضة شعبية منذ تأسيسه و رفعت ضده شعارات في حركة عشرين فبراير ، لم يغادر قط المراتب الثلاث الأولى، وتهمة دعمه من وزارة الداخلية اقتصرت على محطاته الانتخابية الأولى بشهادة مختلف الفرقاء، لتتحول بعد ذلك إلى مجرد نعوت فضفاضة حول استخدام المال السياسي من هذا الطرف أو ذاك دون تحديد حزب بعينه. 

وقد شهدت هذه الانتخابات سابقة في الممارسة السياسية بالمغرب تمثلت في فشل وزير داخلية أسبق، وهو زعيم الحركة الشعبية امحند العنصر، في الحصول على مقعده النيابي.

وتبرز تفصيلة قد تبدو ثانوية لكنها تعكس عمق السلوك السياسي بالمغرب، ومفادها أن عودة العدالة والتنمية جاءت دون غالبية الوزراء الذين شاركوا في الحكومتين السابقة والأسبق باستثناء مصطفى الخلفي، مع تسجيل غياب كلي للعنصر النسوي الذي دبر مرحلة المشاركة الحكومية، باستثناء أمينة ماء العينين التي لم تستوزر قط.

 وهو الوضع ذاته الذي عاشه الاتحاد الاشتراكي بعد حكومة التناوب، حيث لم يتبقَ من وزرائه سوى قلة من قبيل الحبيب المالكي والمرحوم عبد الواحد الراضي. 

وعقب تعيين إدريس جطو، خرج الاتحاد الاشتراكي ليعلن مواصلة مشاركته الحكومية رغم عدم احترام المنهجية الديمقراطية، برغبة منه في مواصلة الإسهام في الأوراش التنموية المفتوحة. 

وبناءً على المفهوم نفسه، لماذا لا نتقبل استمرار التجمع الوطني للأحرار في المشاركة وهو المعتز بحصيلته التي مكنته من المركز الثاني، بعدما فقد الصدارة بسبب غياب التضامن الحكومي بين مكونات التحالف؟

ومن المفارقات المستعصية على الفهم في تجربة المفاوضات الحكومية، أن رئيس الحكومة أو الوزير الأول كان ينتظر من الأحزاب الوطنية، وتحديدًا أحزاب الكتلة، عقد مجالسها الوطنية ولجانها المركزية لاتخاذ قرار المشاركة من عدمه. 

غير أن المفارقة تمثلت في أن الأحزاب التي كانت تُنعت بـ”الإدارية” سارعت إلى عقد مجالسها للتداول، ومعها حزب العدالة والتنمية الذي حسم رئيسه الأمر مسبقًا بقرار جاهز يقضي بعدم المشاركة، بينما قطع حزب الاستقلال الشك باليقين بتصريح أمينه العام القاضي بالمشاركة والدعم من أي موقع كان.

 أما الاتحاد الاشتراكي فاكتفى ببلاغ لمكتبه السياسي عقب زيارة كاتبه الأول لمقر الأصالة والمعاصرة بلغة مراوغة لم تعلن عدم المشاركة ولم تضع شروطًا واضحة لها، في حين خرج أمين عام التقدم والاشتراكية يعلن دعوته لاجتماع اللجنة المركزية.

 وتبقى مفارقة هذين الحزبين اليساريين أنهما باتا يعيشان في جلباب حزبين آخرين: الاتحاد الاشتراكي في جلباب الأحرار، والتقدم والاشتراكية في جلباب بنكيران، وهو معطى تقر به مختلف النقاشات والمنتديات دون تحامل، فهل ينفك هذا الارتباط أم سيظلان حيث يكون جلباب كل منهما؟

ويبقى السؤال المطروح حول الخيارات الأسهل أمام رئيسة الحكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري: هل تتحمل عبء تشكيلة حكومية موسعة لتقليص عدد نواب المعارضة، أم تغلب تصور تشكيلة حكومية متوازنة ولو على حساب تقوية المعارضة عدديًا؟

 وهنا يجدر التوقف عند حزب التجمع الوطني للأحرار؛ فهذا الحزب الذي يُنسب تأسيسه للملك الراحل الحسن الثاني عكس أحزاب أخرى نُسبت لوزير الداخلية إدريس البصري، لم يجرب المعارضة في تاريخه إلا عندما دفعه إليها بنكيران عام 2011 لقضاء سنة ونصف، وعندما اتفق حزب الاستقلال من داخل الحكومة مع الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي من المعارضة لإسقاطها، كان التجمع الوطني للأحرار هو المنقذ لحكومة بنكيران لضمان استمرارها.

 إذن، الحزب الذي مكن الاتحاديين من تشكيل حكومة التناوب وأنقذ حكومة بنكيران في خضم الربيع العربي، ما الذي حوله اليوم إلى شيطان ترفضه الأغلبية والمعارضة على حد سواء؟

إن حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار ينهلان من المشرب والنخب والمرجعيات ذاتها، فكيف يُرمى بجزء منهما إلى المعارضة ويُبقى على الآخر في الأغلبية؟

 والنتيجة الطبيعية التي بدأت تلوح ملامحها خلال الحملة الانتخابية تشير إلى إمكانية حدوث ترحال جماعي من “الحمامة” نحو “الجرار”، وهو ما سيمكن هذا الأخير من الهيمنة على الانتخابات الجماعية المقبلة في أفق ضمان ولاية ثانية بعد خمس سنوات.

وإن كان حزب الحمامة كرس هيكلة تنظيمية تجعل منه حزبا مهيكلا .

 إن رجال المال والأعمال لا يدخلون المعترك السياسي ليمارسوا المعارضة، بل ليشاركوا في القرار والتدبير وتسيير مصالح منتسبيهم،

 فأنّى لنا أن نتحدث عن معارضة يقودها التجمع الوطني للأحرار؟

 وعندما نفحص مخرجات المجالس الوطنية بتفويض قرار المشاركة للأمناء العامين، نجد تفسيرًا واحدًا يكمن في الحرص على تشكيل معارضة قوية لكن بلا أظافر تؤذي استمرار الولاية الحكومية، مقابل تشكيل حكومة منسجمة وقوية عدديًا وقادرة على مواجهة هذه المعارضة. 

وما دام الأمر يُدار في الغرف المغلقة بين الأمناء العامين، فما علينا إلا الانتظار والتأمل.

فهل تعتبرون؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*