حتى لا تتجدد انتفاضة حركة “جيل Z”!
الآن وقد دخلت بلادنا مرحلة تاريخية دقيقة ومنعرجا حاسما بعد أن انتهت الانتخابات التشريعية السادسة في عهد الملك محمد السادس، بتولي امرأة مسؤولية رئاسة الحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب.
وهي فاطمة الزهراء المنصوري، التي عينها جلالته في 29 شتنبر 2026 رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، طبقا لأحكام الفصل 47 من الدستور، باعتبارها منسقة القيادة الجماعية لحزب “الأصالة والمعاصرة”، الذي تصدر نتائج تشريعيات 23 شتنبر 2026 ب”97” مقعدا، والتي شرعت منذ اليوم الموالي لتعيينها في استقبال أمناء الأحزاب الممثلة في البرلمان من أجل إجراء مشاورات سياسية…
وهي التجربة التي باركتها منذ اليوم الأول عديد الجهات والمنظمات الحقوقية والأنظمة السياسية عبر العالم، وينتظر المغاربة أن تكون رئيسة الحكومة الملقبة ب”بنت الصالحين” أو “بنت الباشا” في مستوى آمالهم وأحلامهم، وخاصة فئة الشباب الذين ضاق معظمهم ذرعا من حالة التهميش والإقصاء، مما أدى بالكثيرين منهم إلى اللوذ بالهجرة غير الشرعية صوب مدينتي سبتة ومليلية السليبتين، ناهيكم عن الانحراف بشتى أشكاله من تعاطي كافة أنواع المخدرات والسرقة وغيرهما من السلوكيات الجرمية…
ففي ظل مثل هذه الظروف الصعبة التي ما انفكت تتأزم على مدى أعوام دون أن تكون الحكومات المتعاقبة قادرة على تجاوزها، ظهرت من بين الحركات الاحتجاجية حركة “جيل Z” في يوليوز 2025، التي لا تختلف مطالبها عن مطالب جميع الأسر المغربية، حيث سرعان ما تحولت احتجاجاتها من الفضاء الرقمي إلى مسيرات ومظاهرات في الشارع العام بمختلف المدن والأقاليم المغربية، منتفضة ضد تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، غياب العدالة الاجتماعية، تآكل القدرة الشرائية أمام مسلسل ارتفاع أسعار المحروقات وانعكاسها على أسعار باقي المواد الغذائية، تدني مستوى الخدمات العمومية في التعليم والصحة، ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، اتساع رقعة الفوارق الاجتماعية والمجالية وتفشي الفساد…
وتجدر الإشارة هنا بعجالة إلى أن هذه الحركة الشبابية لم تكتف بالمطالبة بإقالة حكومة أخنوش السابقة والإفراج عن جميع المعتقلين المرتبطين بالاحتجاجات والحركات الطلابية وحسب، بل اختارت آنذاك مخاطبة ملك البلاد محمد السادس عبر رسالة مباشرة، تم نشرها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتكشف عن فقدان الشباب الأمل في المستقبل والثقة في مؤسسات الوساطة من حكومة وبرلمان وكافة الأحزاب السياسية في الأغلبية والمعارضة على حد سواء.
فمن تكون حركة “جيل زد 212″؟ هي حركة شبابية تتراوح أعمار أعضائها بين 13 و28 سنة، وهو ما يشكل حوالي 26,3 في المائة من مجموع سكان المملكة أي أكثر من تسعة ملايين نسمة، حسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، وهم شباب غير مؤطرين ولا ينتمون لأي تيار أو توجه سياسي، ظهرت حركتهم بالموازاة مع حركات احتجاجية في دول أخرى، انطلقت دعوتها إلى التظاهر السلمي من مواقع التواصل الاجتماعي، وتتركز مطالبها حول العدالة الاجتماعية، الارتقاء بجودة الخدمات العمومية في قطاعي الصحة والتعليم، تعزيز فرص الشغل ومحاربة مختلف مظاهر الريع والفساد في البلاد، وترفض استمرار سير المغرب بسرعتين، كما ورد في الخطاب السامي لعاهل المغرب بمناسبة الذكرى 26 لاعتلاء العرش، حيث قال “لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”
وكانت الشرارة الأولى التي أشعلت نيران الغضب في صفوف شباب الحركة، هو وفاة ثماني نساء حوامل في ظرف أيام قليلة بقسم الولادة في مستشفى الحسن الثاني بمدينة أكادير، التي خرجت بسببها في 14 شتنبر 2025 أعداد غفيرة من سكان المدينة والمناطق المجاورة لها في وقفة احتجاجية صاخبة أمام “مستشفى الموت” للتنديد بالحادث المأساوي الرهيب، الذي انتهى بفتح تحقيق عميق من قبل الشرطة القضائية وتم توقيف 17 إطار صحي من أطباء وممرضين ومولدات، وأدى إلى انتفاضة الحركة وتوجيه الدعوة للخروج إلى الشوارع ابتداء من يوم 27 شتنبر 2025 رافعة شعار “الصحة أولا قبل كأس العالم”، لتعم الاحتجاجات عديد المدن والأقاليم، وكادت أن تنحرف عن مسارها السلمي في بعض الجهات.
فهل ستكون “بنت الصالحين” قادرة على رفع التحديات الكبرى والاستجابة ليس فقط لمطالب حركة “جيل Z” وغيرها من الحركات الاحتجاجية حتى لا تتحول إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار، بل لانتظارات جميع المغاربة الذين توسموا خيرا في جديتها، وراهنوا كثيرا على حكومتها في تحقيق ما فشلت فيه حكومات “الرجال” السابقة، من خلال الوفاء بالوعود التي قدمها حزبها في برنامجه الانتخابي الواعد الذي سطرت مضامينه تحت إشراف الخبير الاقتصادي والوزير المكلف بالميزانية “فوزي لقجع” تحت عنوان “من أجل مغرب أكثر عدلا وإنصافا”؟
إن أمل الشعب المغربي كبير في أن تحرص رئيسة الحكومة على استكمال ورش الدولة الاجتماعية وترجمة ما تعهد حزبها بتحقيقه من التزامات، منها حماية القدرة الشرائية ودعم المعيش اليومي للأسر، إعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستواها الطبيعي، التأهيل المهني للشباب وتيسير الولوج إلى سوق الشغل، خلق مليون منصب شغل، توفير مدرسة ومستشفى عموميين تنافسيين، من حيث الجاذبية وجودة الخدمات، تحقيق نمو متوسط قدره 5 في المائة سنويا والتحكم في التضخم حتى لا يتجاوز نسبة 2 في المائة سنويا، وما إلى ذلك من التزامات أخرى لا تقل أهمية عما اقترحته باقي الأحزاب السياسية في برامجها الانتخابية، لاسيما ما يرتبط منها بالكرامة والعدالة الاجتماعية والمجالية ومكافحة الريع والفساد…
اسماعيل الحلوتي
