البرلمان ليس مسابقة للجمال… والصحافة ليست صناعة للبوز!

البرلمان ليس مسابقة للجمال… والصحافة ليست صناعة للبوز!

كتبها: الصحافي سامي المودني

أثار انتباهي، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة، انزلاق بعض التغطيات الإعلامية نحو ممارسات تمييزية تختزل حضور النساء داخل المؤسسة التشريعية في جمالهن وأناقتهن ومظهرهن الخارجي، بدل الاهتمام بصفتهن التمثيلية وأدوارهن السياسية والتشريعية.

قد يبدو الأمر للبعض مجرد بحث عن الإثارة أو صناعة “البوز”، لكنه في العمق يعكس خللا في تمثل وظيفة الصحافة، ويعيد إنتاج صور نمطية وتمييزية تجاه النساء في الحياة العامة.

فمن غير المقبول أن يسأل البرلماني عن مواقفه السياسية وأولوياته التشريعية، بينما تتحول البرلمانية إلى موضوع للتعليق على جمالها وملابسها وإطلالتها.

المسألة هنا ليست مجرد اختلاف في الأذواق التحريرية، بل ترتبط بمبادئ حقوقية دولية وقواعد مهنية واضحة.

فالمادة الخامسة من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) تؤكد ضرورة القضاء على القوالب النمطية القائمة على أدوار النساء والرجال، فيما تكرس المادة السابعة حق النساء في المشاركة المتساوية في الحياة السياسية والعامة. وقد نبهت لجنة سيداو، في توصيتها العامة رقم 23، إلى دور الصور النمطية التي تكرسها وسائل الإعلام في الحد من الاعتراف بالنساء فاعلاتٍ سياسيات.

أما الميثاق العالمي لأخلاقيات الصحافيين، الذي اعتمده الاتحاد الدولي للصحافيين سنة 2019، فيؤكد في مادتيه الثامنة والتاسعة على احترام الكرامة الإنسانية وتجنب المساهمة في نشر الأحكام المسبقة والتمييز، بما في ذلك التمييز القائم على النوع الاجتماعي.

وتذهب منظمة اليونسكو، من خلال مؤشرات مراعاة النوع الاجتماعي في وسائل الإعلام، إلى اعتبار التمثيل الإعلامي المنصف للنساء ومناهضة الصور النمطية جزءا من مسؤولية المؤسسات الإعلامية وجودة محتواها.

هذه المبادئ لا تهم الصحافيين الذين يكتبون العناوين وينتجون المضامين فقط، بل تشمل أيضا المصورين الصحافيين. فاختيار الصورة وزاوية التصوير وسياق نشرها قرارات تحريرية تخضع بدورها لمقتضيات الكرامة والمساواة وعدم التمييز. وليست الكاميرا إعفاء من المسؤولية الأخلاقية.

ومن المؤسف أن يعتقد بعض من يحملون صفة “صحافي” أو “مصور صحافي” أن النجاح المهني يقاس بعدد المشاهدات والتفاعلات، حتى عندما يكون ثمن ذلك المساس بكرامة الأشخاص أو تكريس الصور النمطية. إن حرية الصحافة لا تنفصل عن المسؤولية المهنية، كما أن البحث عن الجمهور لا يبرر التخلي عن أخلاقيات المهنة.

وليس المطلوب منح البرلمانيات معاملة تفضيلية أو تحصينهن من النقد، بل إخضاعهن لمعايير التغطية والمساءلة نفسها التي يخضع لها زملاؤهن الرجال: الكفاءة، والمواقف، والالتزامات الانتخابية، والأداء التشريعي والرقابي.

فالبرلمانيات منتخبات يمارسن مسؤوليات دستورية، ولسن موضوعا لمسابقة جمالية. والصحافة التي تختزل النساء في مظهرهن، بدل مساءلتهن عن أدوارهن، لا تسيء إلى النساء وحدهن، بل تسيء أيضا إلى وظيفتها الديمقراطية. فالصحافة مهنة تحكمها قواعد وأخلاقيات، وليست سباقا محموما نحو “البوز” بأي ثمن.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*