تقرير يرصد الحملة الانتخابية في الفضاء الرقمي بالمغرب خلال 2026
كتبها: جواد جعواني
كشف تقرير حديث للمرصد المغربي لليقظة الإعلامية والرقمية عن تحولات لافتة في أساليب التواصل التي اعتمدتها الأحزاب السياسية المغربية خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2026، مسجلاً تفاوتاً كبيراً في الإنفاق على الإعلانات الرقمية، وصعود تأثير المؤثرين والشخصيات المعروفة على شبكات التواصل الاجتماعي، مقابل ضعف النقاش البرامجي وهيمنة الاتهامات والصراعات السياسية على جزء من المحتويات المتداولة.
وأوضح التقرير النهائي، الصادر في أكتوبر الجاري تحت عنوان «الرصد والتتبع الرقمي للانتخابات التشريعية لسنة 2026»، أن الإنترنت تحول إلى فضاء رئيسي للتنافس الانتخابي، بعدما كان في استحقاقات 2021 وسيلة فرضتها إلى حد كبير الظروف المرتبطة بجائحة كورونا، مشيراً إلى أن الأحزاب أصبحت تراهن على المنصات الرقمية للوصول إلى الناخبين والتأثير في توجهاتهم.
واستند التقرير، الذي يقع في 15 صفحة، إلى تحليل 82 مصدراً منشوراً بالعربية والفرنسية، شملت المواقع الرسمية للأحزاب والمؤسسات العمومية والصحافة الإلكترونية والدراسات المتخصصة، في إطار مبادرة مدنية مستقلة شارك فيها نحو خمسين طالباً وطالبة إلى جانب فاعلين جمعويين.
وشمل الرصد عشرة أحزاب سياسية حصلت على ثمانية مقاعد برلمانية أو أكثر، مع تتبع خطابها قبل الحملة الانتخابية الرسمية وأثناءها ويوم الاقتراع وبعد إعلان النتائج، إلى غاية السابع من أكتوبر 2026، بهدف الوقوف على مدى مساهمة التواصل الرقمي في تمكين المواطنين من فهم البرامج الانتخابية والمقارنة بينها ومحاسبة أصحابها.
وسجل التقرير تفاوتاً لافتاً في الموارد المالية المخصصة للدعاية الانتخابية الرقمية، إذ بلغ إنفاق الحزب الأكثر حضوراً في الإعلانات نحو 836 ألف دولار، أي ما يعادل حوالي 8.18 ملايين درهم، مقابل 2724 دولاراً فقط لدى الحزب الأقل إنفاقاً ضمن المقارنة، بفارق يتجاوز 300 مرة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن تكافؤ الفرص بين الأحزاب في الفضاء الرقمي.
ونقل التقرير عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان رصد 538 إعلاناً سياسياً لسبعة أحزاب على منصتي فيسبوك وإنستغرام خلال أحد عشر يوماً فقط، في مؤشر على اتساع الاعتماد على الإعلانات الممولة للوصول إلى الناخبين، وتزايد أهمية الموارد المالية في تحديد حجم الحضور الانتخابي على الإنترنت.
وفي المقابل، أظهرت معطيات دراسة للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، نقلها التقرير عن الصحافة، أن كثرة المنشورات أو المتابعين لا تعني بالضرورة تحقيق انتشار أكبر، حيث حصد 52 مقطعاً نشرها أحد الأحزاب على منصة تيك توك مشاهدات تفوق بنحو 19 مرة تلك التي حققها حزب آخر نشر 686 مقطعاً.
وأشار التقرير إلى أن الحزب الذي تصدر التفاعل على فيسبوك والمشاهدات على تيك توك قبل الحملة الانتخابية هو نفسه الذي احتل المرتبة الأولى في النتائج، لكنه شدد على أن هذا التزامن لا يسمح بالجزم بأن الحضور الرقمي كان السبب المباشر في الفوز، بالنظر إلى تعدد العوامل المؤثرة في السلوك الانتخابي، بما فيها الانتماءات الحزبية والعلاقات المحلية والعمل الميداني.
وعلى مستوى الخطاب السياسي، خلص التقرير إلى أن الأحزاب، رغم اختلاف مرجعياتها ومواقعها السياسية، قدمت وعوداً متقاربة تمحورت أساساً حول القدرة الشرائية والتشغيل وتحسين الخدمات الاجتماعية، مشيراً إلى أن ستة أحزاب من أصل عشرة وضعت القدرة الشرائية أو الخدمات في مقدمة التزاماتها، بينما ركزت بقية الأحزاب على قضايا التشغيل ودعم الأسر.
غير أن التقرير سجل غياب مناظرات مباشرة تقارن بين البرامج الانتخابية داخل المواد التي شملها الرصد، حيث اكتفت الأحزاب في الغالب بعرض تصوراتها بشكل منفصل، من خلال المهرجانات واللقاءات والحوارات الإعلامية، دون الدخول في نقاشات تسمح للناخبين بتقييم الاختلافات بين الحلول المقترحة.
ولاحظ أن النقاش الانتخابي اتجه في حالات عديدة نحو تبادل الاتهامات بشأن مصداقية الوعود والشعبوية، بدلاً من مناقشة الحلول العملية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، مستحضراً الجدل المرتبط بملف دعم استيراد الأغنام، المعروف إعلامياً بملف «الفراقشية»، الذي تحول إلى موضوع للتجاذب السياسي بين أحزاب من الأغلبية الحكومية السابقة.
كما سجل التقرير حضوراً محدوداً لقضايا الحريات والإصلاح الديمقراطي مقارنة بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية، معتبراً أن الاختلافات الموجودة بين البرامج لم تُعرض على الناخبين بطريقة تساعدهم على المقارنة والاختيار، في وقت طغت فيه الصراعات السياسية والأحداث الشخصية على جزء مهم من النقاش المتداول عبر الشبكات الاجتماعية.
ومن بين أبرز التحولات التي توقف عندها التقرير، صعود الشهرة الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها مورداً انتخابياً يمكن أن ينافس الانتماء الحزبي التقليدي، حيث استعرض حالتين لمرشحين معروفين بحضورهما الرقمي تمكنا من الفوز بمقعدين برلمانيين باسم حزبين صغيرين، معتمدين على البث المباشر والمقاطع المصورة والتواصل اليومي مع المتابعين.
واعتبر التقرير أن هذه الحالات تعكس تحولاً في العلاقة بين الناخب والمرشح، إذ أصبحت الصورة الشخصية والقدرة على التواصل المباشر عنصرين بارزين في بناء الثقة السياسية، بينما تراجع حضور البرنامج الحزبي في بعض أشكال التواصل لفائدة الخطاب الفردي القائم على القرب والعفوية.
وفي جانب آخر، حذر التقرير من استعمال محتويات مولدة بالذكاء الاصطناعي دون الإشارة إلى طبيعتها، من بينها صور ومقاطع مصورة وشخصيات رقمية تتحدث باسم مرشحين، فضلاً عن برامج تفاعلية تقدم إجابات عن أسئلة الناخبين.
كما أورد معطيات عن كشف شبكة تضم أكثر من 140 حساباً وهمياً على فيسبوك تعمل بشكل منسق، إلى جانب تداول محتويات مضللة وتسريبات صوتية ومقاطع مرتبطة باتهامات وخروقات انتخابية، بعضها تبين لاحقاً أنه لا يعكس الوقائع بصورة دقيقة.
وسجل التقرير أيضاً تداول أكثر من 2030 محتوى يوظف الدين في النقاش الانتخابي، وفق المعطيات التي استند إليها، من بينها مقاطع تتهم أحزاباً بمعاداة الإسلام وأخرى تربط التصويت بالمسؤولية الدينية، معتبراً أن هذه الممارسات تطرح تحديات مرتبطة بجودة النقاش العمومي ومصداقية المعلومات المتداولة.
وتوقف التقرير عند إشكالية الخلط بين اختصاصات البرلمان والجماعات الترابية في الخطاب الانتخابي، بعدما رصد حضور وعود تتعلق بإنجاز الطرق والمرافق الصحية ومشاريع الماء خلال حملات مرشحين للانتخابات التشريعية، رغم أن تنفيذ هذه المشاريع يرتبط باختصاصات مؤسسات متعددة.
واعتبر أن هذا الخلط قد يخلق لدى المواطنين توقعات لا تتناسب مع الصلاحيات الفعلية للنائب البرلماني، الذي تتمثل مهامه الأساسية في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، داعياً إلى توضيح الجهة المسؤولة عن تنفيذ كل وعد انتخابي والموارد المالية اللازمة لتحقيقه.
وفي ما يتعلق بملاحظة الانتخابات، أشار التقرير إلى أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان أعلن تعبئة 3006 ملاحظين، فيما بلغت نسبة مكاتب التصويت التي حضر فيها ملاحظو المجلس 8.9 في المائة، موضحاً أن هذه النسبة تتجاوز المعيار الدولي الذي أورده المجلس، والمحدد بين 3 و5 في المائة.
وأكد أن الإشكال لا يتعلق بالضرورة بحجم التغطية، وإنما بطريقة تقديم المعطيات للرأي العام، إذ قد يؤدي التركيز على العدد الإجمالي للملاحظين دون توضيح نطاق انتشارهم إلى خلق انطباعات غير دقيقة بشأن شمولية عملية الملاحظة.
كما تناول التقرير مسألة المقاطعة الانتخابية وضعف الثقة في المؤسسات السياسية، في سياق بلغت فيه نسبة المشاركة في الاقتراع 38.02 في المائة، مشدداً على ضرورة التمييز بين الدعوات السياسية المنظمة إلى المقاطعة وبين الامتناع عن التصويت لأسباب أخرى، من بينها عدم التسجيل في اللوائح الانتخابية أو ضعف الاهتمام بالشأن السياسي.
وفي ضوء هذه الخلاصات، دعا المرصد المغربي لليقظة الإعلامية والرقمية إلى تطوير أساليب التواصل الانتخابي، من خلال تنظيم مناظرات سياسية تسمح بالمقارنة المباشرة بين البرامج، ونشر المعطيات المتعلقة بالإنفاق على الإعلانات الرقمية، والتصريح بالمحتويات المصنوعة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
كما أوصى بربط الوعود الانتخابية بالجهة المسؤولة عن تنفيذها، وتحديد الموارد المالية اللازمة وآجال الإنجاز، بما يسمح للمواطنين بتقييم الالتزامات السياسية ومحاسبة أصحابها، إلى جانب إتاحة المعطيات الانتخابية الرسمية بصيغ مفتوحة، وتوضيح نطاق ملاحظة الانتخابات، وتحويل الرصد الرقمي إلى ممارسة دائمة تستند إلى منهجية معلنة.
وخلص التقرير إلى أن انتقال الحملات الانتخابية نحو الإنترنت لم يصاحبه بالضرورة تطور مماثل في جودة النقاش السياسي، مشدداً على أن التحدي لم يعد مرتبطاً فقط بقدرة الأحزاب على الوصول إلى أكبر عدد من المتابعين، وإنما بمدى مساهمة خطابها في تمكين المواطنين من فهم البرامج والمقارنة بين البدائل واتخاذ قرارات انتخابية واعية.
وأكد المرصد أن خلاصاته تستند إلى تحليل المحتويات المنشورة للعموم، ولا تسمح بقياس التأثير المباشر للتواصل الرقمي على النتائج الانتخابية أو تحديد عدد الأصوات التي جلبتها الشبكات الاجتماعية لكل حزب، خاصة أن الرصد أُقفل قبل انتهاء مرحلة الطعون الانتخابية.
