قراءة نقدية في بيان تشكيل الأغلبية الحكومية
كتبها: جمال الدين ريان
يُقدم هذا البيان حبكة سياسية متخيلة لسيناريو غريب ومثير للجدل يعود لتاريخ اليوم (12 أكتوبر 2026)، مفاده تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري (حزب الأصالة والمعاصرة) رئيسة للحكومة، وهندسة أغلبية تضم أحزاب: الأصالة والمعاصرة، الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية.
عند إخضاع هذه الخلطة الحكومية للمشرط السياسي والتحليل النقدي الحاد، يتكشف حجم التناقضات الإيديولوجية والبرنامجية الصارخة بين هذه المكونات، مما يجعل هذا الائتلاف أقرب إلى “زواج مصلحة هجين” منه إلى تحالف منسجم ذي رؤية إصلاحية حقيقية:
1. الوهم الإيديولوجي: “التقارب الفكري” المزعوم
* النص المتخيل: يتحدث البيان بسذاجة سياسية عن مكونات تتميز بـ “التقارب الفكري والسياسي وتتوحد في الرؤية الإصلاحية”.
* الواقع والحقيقة: أي تقارب فكري يمكن الحديث عنه بين حزب ليبرالي/محافظ وُلد في رحم السلطوية لمواجهة المد الإسلامي (الأصالة والمعاصرة)، وحزب عريق ذي مرجعية وطنية استقلالية ومحافظة (الاستقلال)، وحزب يساري راديكالي تاريخي عانى سنوات الويلات (الاتحاد الاشتراكي)، وحزب شيوعي/تقدمي سابق (التقدم والاشتراكية)؟
* التناقض: هذا التلفيق الإيديولوجي يلغي الهوية السياسية للأحزاب، ويحولها إلى دكاكين انتخابية تتنصل من مبادئها الأساسية مقابل مقاعد الكراسي والوزارات.
2. التناقض الاقتصادي-الاجتماعي: اقتصاد السوق المتوحش أم الدولة الاجتماعية؟
* التناقض الجذري: يجمع هذا الائتلاف بين قوى تمثل مصالح رأس المال والبرجوازية البيروقراطية والليبرالية الاقتصادية المطلقة (الأصالة والمعاصرة والاستقلال)، وبين قوى تاريخية ترفع شعارات الدفاع عن الطبقات الشعبية، الأجور، القطاع العام، والعدالة الجبائية (الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية).
* النتيجة الحتمية: عجز تام عن إنتاج نموذج اقتصادي موحد. هل ستدعم الحكومة اقتصاد الريع ودعم المقاولات الكبرى أم ستفرض ضريبة على الثروة وتحمي القدرة الشرائية؟ البيان يتحدث بلغة إنشائية مفرغة من المضمون لتغطية هذا الفصام الاقتصادي.
3. إرث الصراع التاريخي والخصومة السياسية
* الذاكرة السياسية: بعض هذه الأحزاب قضت عقوداً تتبادل الاتهامات، التخوين، والصراع الميداني والانتخابي الشرس في مختلف الجهات والأقاليم.
جمعها في خندق واحد يعكس “براغماتية مفرطة” تفقد العمل السياسي معناه الأخلاقي وتفرغه من أي محتوى تعبوي للمواطنين.
* غياب المعارضة الحقيقية: عندما تتجمع أحزاب بهذا الثقل المتباينة في الأغلبية، تُقتل التعددية وتُفرغ المؤسسات المنتخبة من محتواها النقدي، مما يحول المشهد الحزبي إلى مشهد كرتوني باهت لا لون له ولا طعم.
4. المفارقة التاريخية في رئاسة الحكومة
* الحدث غير المسبوق: تفاخر البيان بتعيين امرأة لأول مرة على رأس الحكومة كحدث تاريخي ديمقراطي.
* النقد اللاذع: إن تسويق المكسب الجندري (النسائي) يُراد به تغطية العورات السياسية للائتلاف؛ فالرمزية الديمقراطية الحقيقية لا تقاس فقط بهوية رئيس الحكومة، بل بمدى انسجام البرنامج، ونظافة اليد، والقدرة على ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا بجمع متناقضات المشهد الحزبي في حكومة “محاصصة” فضفاضة.
