سوريالية المشهد البرلماني: عندما تعارض المعارضة “معارضتها” وتُسقط قناع التنافس المؤسساتي.
كتبها: جمال الدين ريان
شهد مجلس النواب المغربي محطة سياسية مثيرة للجدل خلال جلسة انتخاب رئيس المؤسسة التشريعية، حيث أسفرت المحطة عن انتخاب أحمد التويزي (عن حزب الأصالة والمعاصرة ممثلاً للأغلبية الحكومية) رئيساً جديداً بحصوله على 220 صوتاً.
غير أن الحدث الأبرز لم يكن هو فوز الأغلبية بمنصب الرئاسة فحسب، بل تمثل في ظاهرة غريبة ومستهجنة تمثلت في إحجام أو معارضة أطراف محسوبة على صف “المعارضة” لمرشح المعارضة الآخر (إدريس الأزمي الإدريسي عن حزب العدالة والتنمية)، في مشهد كشف عن عطب بنيوي عميق في المشهد الحزبي المغربي.
1. التشظي السياسي: عندما يصبح الخصم الحقيقي هو الريكود الحزبي المجاور
في الممارسات الديمقراطية السليمة، يُفترض أن تشكل أحزاب المعارضة جبهة متراصة أو على الأقل تقاطعات مؤسساتية كبرى في الاستحقاقات المفصلية لضمان التوازن داخل المؤسسة التشريعية.
* غياب التضامن المؤسساتي: أثبتت محطة الانتخاب أن المعارضة المغربية لا تعاني فقط من تشتت عددي، بل تعاني من “أزمة هُوية” تفضل فيها تكسير عظام بعضها البعض على بناء جبهة رقابية صلبة مواجهة للحكومة.
* التقاطعات الخفية: إن رفض مكونات من المعارضة دعم ترشيح العدالة والتنمية، وانخراط أطراف أخرى في حسابات ضيقة، يطرح علامات استفهام كبرى حول جدية الخطاب المعارض، وهل هو معارضة حقيقية للسياسات الحكومية أم مجرد تمركز تكتيكي مؤقت؟
2. بالأرقام والدلائل: قراءة نقدية في مخرجات التصويت
لغة الأرقام لا ترحم وتكشف عورة التناقضات الحزبية:
* اكتساح الأغلبية: تمكن مرشح الأغلبية من حصد 220 صوتاً بكل راحته، مستفيداً من التصدع الصارخ داخل صفوف المعارضة وتشتت أصواتها.
* عزلة مرشح المعارضة: دخول حزب العدالة والتنمية بمرشحه إدريس الأزمي الإدريسي كشف بالملموس أن باقي فرق المعارضة لم تكن مستعدة لأي تنسيق، بل وصل الأمر ببعضها إلى الاصطفاف عملياً ضد أي محاولة لفرض توازن حقيقي، مما أفرز مشهداً برلمانياً أحادي التوجيه فعلياً رغم تعددية الشعارات.
* تنميط المعارضة: تؤكد هذه الدلائل أن بعض المكونات التي ترفع شعار المعارضة تمارس “معارضة صورية أو انتقائية”، تخدم في كواليسها ترتيبات الأغلبية عوض أن تكون صوتاً منيعاً للمواطن.
3. التداعيات الخطيرة على المصداقية المؤسساتية
إن استمرار هذه الممارسات السوريالية يضرب في العمق ثقة المواطن في العملية السياسية برمتها:
* إفراغ الدستور من محتواه: الدستور أعطى المعارضة لتقوم بدور الرقابة والمساءلة، لا لكي تتحول إلى أداة لعرقلة منافسيها والتماهي مع أهداف الأغلبية من خلف الكواليس.
* أزمة النخبة السياسية: عندما تنصرف الأحزاب عن قضايا الشغل وغلاء المعيشة والتنمية إلى تصفية الحسابات الانتخابية الصغيرة وتكسير المبادرات المشتركة، فإن ذلك يعكس أزمة أخلاقية وسياسية حادة تعاني منها النخبة الحزبية.
خلاصة القول
ما حدث تحت قبة البرلمان ليس مجرد تفصيل تقني في انتخاب رئيس جديد، بل هو فضيحة سياسية مصغرة تعرت فيها الأحزاب أمام قواعدها وأمام الرأي العام.
إن معارضة أحزاب المعارضة لبعضها البعض في محطة تتطلب الحد الأدنى من التضامن المؤسساتي، يؤكد أننا أمام مشهد يحتاج إلى تطهير جذري وعودة للضمير السياسي، فالمؤسسات التشريعية ليست مسرحاً لتبادل الكيد الحزبي، بل هي مرآة لكرامة الوطن والمواطن.
