هل يشهد المغرب بزوغ الإخوان المسلمين؟ 

هل يشهد المغرب بزوغ الإخوان المسلمين؟ 

طتبها: فيصل مرجاني

هناك تسلسل من الأحداث والوقائع الغريبة التي يتعين على كل واحد منا التوقف عندها، وإخضاعها للدراسة والتفكير والتحليل، بدل التعامل معها باعتبارها مجرد حوادث منفردة لا رابط بينها.

فنحن أمام مؤشرات تستحق الانتباه إلى تنامي موجة تتبنى خطابا عدائيا تجاه كل ما يجسد الاختلاف والتعدد، وتسعى، بصورة ممنهجة ومنظمة، إلى حصر المغرب في نموذج مجتمعي ذي نزعة ثيوقراطية متشددة، يتعارض مع تعدديته التاريخية وثرائه الثقافي والاجتماعي.

منذ سنوات، سمعت أن مجموعات من الأشخاص كانت ترشق فرق أحواش وأحيدوس بالحجارة خلال الأعراس في عدد من الدواوير، انطلاقا من اعتبار هذه التعبيرات الفنية أشكالا من الانحلال الأخلاقي ونشر الرذيلة.

وقد رافق ذلك ترويج تصور مفاده أن الأعراس ينبغي أن تقتصر على قراءة القرآن وإطعام الضيوف والدعاء، وأن كل ما يتجاوز هذه الممارسات يدخل في دائرة المحرمات.

وبعد ذلك، بدأت أعاين عبر وسائل التواصل الاجتماعي حملات تستهدف هذا التراث الشعبي، قبل أن تمتد إلى فن كناوة والشيخات، بل وحتى إلى فرق المديح والسماع التي تستعمل الآلات الموسيقية، وصولا إلى محاربة بيلماون وانتقاد الاحتفاء بالسنة الأمازيغية، وغيرها من المظاهر التي تجسد تعدد التعبيرات الثقافية والاحتفالية للمجتمع المغربي.

إننا أمام سلسلة من الوقائع التي تطرح سؤالا جوهريا: هل يتعلق الأمر بمواقف دينية فردية ومتفرقة، أم أننا نشهد تشكل خطاب يسعى إلى فرض تصور أحادي للحياة الاجتماعية، وإعادة تعريف المقبول والمرفوض وفق منظومة من الأحكام التي تستهدف إقصاء كل ما لا ينسجم معها؟

إن هذه المؤشرات تستدعي استحضار تجربة جماعة الإخوان المسلمين في كل من مصر والأردن، ليس من باب المقارنة السطحية، وإنما لفهم التحولات التي قد تعرفها الحركات ذات المرجعية الإخوانية حين تنتقل من العمل الدعوي والتأطير الديني إلى المواجهة السياسية، ثم إلى السعي لفرض هيمنتها الأيديولوجية على المجتمع ومؤسسات الدولة. وما يستحق التوقف عنده في الحالة المغربية هو احتمال إعادة إنتاج هذا النموذج، بعد تعثر تجربته في مصر والأردن، من خلال بناء أدوات للتأثير الاجتماعي والإعلامي والسياسي، وصولا إلى محاولة فرض تصور خاص للدولة والمجتمع.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الحملات التي تستهدف التراث الشعبي والتعبيرات الثقافية المغربية عن ضرورة دراسة البيئة الأيديولوجية التي تنتجها، والوظيفة التي قد تؤديها في تهيئة المجتمع لتقبل تصور أحادي للحياة العامة. فالمسألة تتجاوز الاختلاف حول الموسيقى والاحتفالات والتقاليد؛ إنها تتعلق بمشروع محتمل لإعادة تشكيل الوعي الجماعي، وتوسيع نطاق الوصاية الدينية على المجال العام، وتحويل القناعات الأيديولوجية إلى أدوات للضغط على المؤسسات والأفراد.

إن ما يثير القلق اليوم هو انتقال هذه الدينامية من التعبئة الدعوية إلى المواجهة السياسية المباشرة، ثم إلى محاولة إخضاع السلطة نفسها لمنطق الهيمنة الأيديولوجية.

فنحن أمام ما يشبه المحاكم الاجتماعية المنظمة، التي توظف وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية لنصب محاكمات أخلاقية علنية للأفراد والمؤسسات، مستندة إلى أساليب دعائية مدروسة وآليات متقنة للتأثير في الرأي العام وتوجيهه.

ولم تعد هذه الممارسات تقتصر على انتقاد سلوك أو التعبير عن موقف، بل قد تتحول إلى حملات تستهدف الأشخاص والمؤسسات، وتعمل على التشهير بهم وإخضاعهم لمنظومة من الأحكام الجائرة، بما يجعل الاختلاف نفسه جريمة، ويحوّل المجتمع إلى فضاء للمراقبة المتبادلة والوصاية الأخلاقية. وهنا تبرز خطورة هذا المسار: حين يصبح الضغط الاجتماعي والإعلامي وسيلة لفرض الإملاءات الأيديولوجية على المؤسسات، وحين تتعرض الدولة لضغوط ترمي إلى انتزاع استقلالية قرارها والنيل من شرعية مؤسساتها، لتخضع تدريجيا لمشروع لا يستمد قوته من القواعد المؤسسية وحدها، بل من قدرته على إعادة تشكيل المجتمع وفق تصور أحادي.

إن جوهر الإشكال يتجاوز محاربة أغنية أو رقصة أو احتفال شعبي؛ إنه يتعلق بالصراع حول طبيعة المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه، وحدود السلطة التي يحق لأي تيار ممارستها على حياة المواطنين.

فحين تتحول قناعات جماعة معينة إلى معيار وحيد للحكم على المجتمع، وحين يُراد إخضاع المؤسسات العمومية لمرجعيات أيديولوجية ضيقة، فإننا نكون أمام محاولة لنقل مركز الشرعية من المؤسسات القائمة على التعددية إلى سلطة أيديولوجية متطرفة تسعى إلى فرض تصورها الأحادي على الدولة والمجتمع.

وإذا كانت تجربة الإخوان المسلمين في مصر قد انتهت بإقصائهم عن السلطة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء مشروعهم الفكري أو انحسار أدوات التعبئة المرتبطة به في باقي المنطقة.

كما أن حل جماعة الإخوان المسلمين في الأردن لا يعني نهاية هذا التيار أو اختفاء امتداداته الفكرية والتنظيمية في بقية البلدان المنطقة. فتعثر التجارب السياسية أو حل التنظيمات لا يؤدي بالضرورة إلى زوال المرجعيات الأيديولوجية التي تستند إليها، ولا يمنع إعادة إنتاجها في أشكال جديدة، تستفيد من أخطائها في البلدان التي فشلت فيها، وتتكيف مع السياقات الوطنية المختلفة وتطوّر أدواتها وأساليبها بما يتيح لها مواصلة السعي إلى تحقيق أهدافها. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم في المغرب هو ما إذا كنا نشهد تشكل نموذج يسعى إلى تجاوز الدعوة إلى بناء نفوذ اجتماعي وسياسي واسع، وصولًا إلى فرض الهيمنة الأيديولوجية على الدولة وإخضاع سلطتها لمقتضيات هذا المشروع.

إن الدفاع عن استقلال المؤسسات وشرعيتها، وعن حق المغاربة في صون تعددهم الثقافي والهوياتي، يقتضي رصد هذه التحولات وفهم آليات اشتغالها، قبل أن تتحول الوصاية الأيديولوجية إلى قوة تسعى إلى تحديد ما يجوز للمجتمع أن يحتفي به، وما ينبغي له أن يرفضه، وكيف يجب أن يعيش أبناؤه.

إن المغرب، بتاريخه وتعدديته، أوسع من أن يُحاصر في رؤية أحادية، وأغنى من أن يُختزل تراثه في تأويل أيديولوجي متشدد باسم الدين.

فالتعدد المغربي يتجاوز كونه مجرد سردية تاريخية، إذ يشكّل أساس الهوية الوطنية، والدفاع عنه لا يعني مواجهة الدين، وإنما رفض احتكار تفسيره وتوظيفه لفرض الوصاية على المجتمع. أما الدولة، بمؤسساتها ومرجعيتها الوطنية، فليست مطالبة بالتنازل عن استقلالية قرارها أمام أي مشروع أيديولوجي، ولا بتحويل التعدد إلى موضوع للمساومة السياسية.

إن الرهان الحقيقي اليوم هو الحفاظ على مغرب يتسع لاختلاف أبنائه، ويحمي تراثه من محاولات الإقصاء، ويصون مؤسساته من كل مسعى يرمي إلى إخضاعها لسلطة أيديولوجية تريد أن تجعل من تصورها الخاص للدين والمجتمع قاعدة وحيدة للحياة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*