الإصلاح الحقيقي في المغرب: من إعادة تشكيل الوزارات إلى تفعيل الجهوية المتقدمة

الإصلاح الحقيقي في المغرب: من إعادة تشكيل الوزارات إلى تفعيل الجهوية المتقدمة

بقلم: نادية واݣرار

لا يتوقف مستقبل تدبير الشأن العام في المغرب على إعادة تسمية الوزارات أو إعادة توزيع الاختصاصات بينها، بل يتحدد بمدى قدرة هذه التغييرات على إحداث تحول فعلي في طريقة اشتغال المؤسسات، وربط السياسات العمومية بحاجيات المواطنين وانتظارات الجهات.

فإعادة تشكيل الحكومة قد تتيح فرصة لمراجعة الأولويات وتوحيد الجهود، لكنها تظل محدودة الأثر إذا لم تنعكس على أساليب التدبير، ولم تتحول إلى خدمات ملموسة وتنمية أكثر توازناً بين مختلف مناطق البلاد.

ومن هنا، يصبح الإصلاح الحكومي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالجهوية المتقدمة، باعتبارها مدخلاً لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والجهات، وتوزيع المسؤوليات والموارد على نحو يستجيب للخصوصيات المجالية.

فلا معنى لإعادة ترتيب الاختصاصات داخل الوزارات إذا ظلت القرارات الأساسية بعيدة عن المجال الذي يفترض أن تستفيد منه، أو إذا بقيت الجهات في موقع انتظار البرامج المركزية بدل امتلاك القدرة على المساهمة الفعلية في صياغة أولوياتها التنموية وتنفيذها وتقييم نتائجها.

إن الجهوية المتقدمة ليست مجرد تقسيم ترابي أو نقل شكلي لبعض الاختصاصات، بل هي تحول في فلسفة تدبير التنمية. ومقتضى هذا التحول أن تصبح الجهة فضاءً للتخطيط والابتكار وتنسيق المشاريع، وأن تتوفر لها الإمكانات المالية والبشرية اللازمة لممارسة اختصاصاتها، في إطار واضح للمسؤولية والمحاسبة.

كما يقتضي أن تتكامل السياسات الوطنية مع البرامج الجهوية، حتى لا تتحول العلاقة بين المركز والجهات إلى تداخل في الاختصاصات أو تنازع في المسؤوليات، تكون كلفته في النهاية على حساب المواطن.

ويظهر الاختبار الحقيقي لهذا الإصلاح في قدرة الجهات على الاستجابة لحاجيات سكانها، من خلال تحسين التعليم والصحة والنقل والتشغيل والخدمات الإدارية، وتثمين المؤهلات الاقتصادية والثقافية والبيئية لكل مجال ترابي. فجهة سوس ماسة، مثلاً، لا تحتاج فقط إلى برامج تُعلن من المركز، بل إلى رؤية تنموية تستثمر مؤهلاتها الفلاحية والسياحية والثقافية، وتعالج في الوقت نفسه تحديات الماء والتشغيل والبنيات التحتية والتفاوتات بين المجالين الحضري والقروي.

والأمر نفسه ينطبق على باقي الجهات، مع مراعاة خصوصية كل واحدة منها بدل إخضاعها لوصفات موحدة لا تستجيب بالضرورة لاختلاف حاجياتها وإمكاناتها.
لكن تحقيق هذه الغاية يقتضي تجاوز مجموعة من الاختلالات، في مقدمتها ضعف التنسيق بين القطاعات الحكومية والمؤسسات الترابية، وعدم وضوح المسؤوليات في بعض البرامج المشتركة، والتفاوت في القدرات الإدارية والتقنية بين الجهات.

كما أن نقل الاختصاصات دون توفير الموارد الضرورية لها قد يجعل اللامركزية مجرد مسؤوليات إضافية لا تقابلها قدرة حقيقية على الإنجاز.

لذلك، ينبغي أن تسير إعادة تنظيم الحكومة بالتوازي مع توضيح العلاقة بين الوزارات والجهات، وتحديد مجالات تدخل كل طرف، وضمان التقائية السياسات والتمويلات والبرامج.

ويقتضي الإصلاح أيضاً ربط الميزانيات بأهداف تنموية قابلة للقياس، ووضع مؤشرات تسمح بتقييم أثر المشاريع على الحياة اليومية للسكان، ونشر نتائج التقييم بصورة منتظمة. فالمساءلة لا ينبغي أن تنحصر في احترام الإجراءات أو استكمال المشاريع إدارياً، بل يجب أن تشمل مدى تحقيقها للأهداف التي أُحدثت من أجلها.

كما أن إشراك المجتمع المدني والجامعات والفاعلين الاقتصاديين والمواطنين في تحديد الأولويات وتتبع الإنجاز من شأنه أن يجعل التنمية الجهوية أقرب إلى الواقع، وأكثر استجابة للحاجيات الفعلية.
ولا يمكن للجهوية المتقدمة أن تؤدي دورها كاملاً دون إدارة ترابية مؤهلة، وكفاءات قادرة على إعداد المشاريع وتدبيرها وتقييمها، إلى جانب خدمات رقمية متاحة للجميع، بما في ذلك سكان المناطق النائية.

فالتنمية المجالية لا تتحقق بمجرد توزيع الاستثمارات، بل تتطلب أيضاً توزيعاً أكثر إنصافاً للفرص، وتعزيز قدرة الجهات على خلق الثروة وجذب الاستثمار وتثمين مواردها، مع ضمان التضامن بين المجالات الترابية حتى لا تتحول الفوارق في الإمكانات إلى فوارق دائمة في جودة الحياة.

إن إعادة تشكيل الوزارات ينبغي، بهذا المعنى، أن تُقرأ من زاوية أثرها على الحكامة الترابية: هل ستُحسن التنسيق بين السياسات الوطنية والبرامج الجهوية؟ هل ستُوضح المسؤوليات وتُسرّع تنفيذ المشاريع؟ وهل ستمنح الجهات قدرة أكبر على المبادرة، ضمن اختصاصاتها ومواردها، بدل الاكتفاء بتدبير ما يُقرر لها مركزياً؟ هذه هي الأسئلة التي تمنح التغيير الحكومي معناه التنموي، وتسمح بالتمييز بين تعديل تنظيمي محدود وإصلاح مؤسسي يمتد أثره إلى المجال والمجتمع.

في النهاية، لا تُقاس فعالية الإصلاح بعدد الوزارات التي تغيرت أسماؤها أو الاختصاصات التي أعيد توزيعها، بل بقدرته على بناء دولة أكثر انسجاماً في تدبيرها، وأكثر إنصافاً في توزيع مواردها، وأكثر قرباً من مواطنيها. فالجهوية المتقدمة لن تتحقق بمجرد منح الجهات اختصاصات جديدة، كما أن الإصلاح الحكومي لن يكتمل دون جعل هذه الاختصاصات قابلة للممارسة والتمويل والتقييم والمساءلة.

وعندما تتكامل مسؤولية الدولة مع قدرة الجهات على المبادرة، يصبح الإصلاح مدخلاً لتنمية متوازنة، لا تكتفي بتحسين المؤشرات الوطنية، بل تمنح كل جهة فرصة حقيقية لصناعة مستقبلها والمساهمة في تقدم المغرب.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*