السيد الوزير… الباقي علينا

أتاي الأحد
السيد الوزير… الباقي علينا

كتبها: عبد الرفيع حمضي

 
استقبل جلالة الملك محمد السادس أعضاء الحكومة الجديدة، فبدأ امتحان المسؤولية، وفُتح أمام الوجوه الجديدة باب لإثبات الكفاءة وخدمة البلاد.

ومما لا شك فيه ان تجديد النخب هو اختيار يستحق التشجيع، غير أن نجاح القادمين يرتبط، منذ البداية، بحسن اختيار من يحيطون بهم، خاصة أن «لكل داخل دهشة»، كما قال الراحل الحسن الثاني رحمه الله .
ولن يطول الانتظار حتى يبدأ في بعض المكاتب ذلك المسلسل المألوف، لاحتواء الوافد الجديد .حيث سيتقدم أحدهم إلى الوزير باقتراحه الأول:
«السيد الوزير، هاد المكتب ما كيليقش بكم، والأثاث تقادم. وراه غادي تستقبلوا كبار الـ ضيوف .

ومدير الموارد المالية أكد ليا باللي الميزانية تسمح نبدلوه».
وبعد المكتب يأتي دور السيارة:
«السيد الوزير، هاد السيارة لا تناسب التنقلات ديالكم، لي غادي تكون كثيرة. صحيح كاينة مذكرة ديال رئيس الحكومة، ولكن المدير عارف كيفاش يدبّر الأمر. أنتم غير وافقوا، والباقي علينا».
وسرعان ما تبلغ العناية بالتفاصيل لتنزل إلى مصالح الوزارة، فتسمع من يقول «عافاك، السيد الوزير ما كيشربش الماء المعدني ديال مريم بنصالح، خصّو بيرييه، وطبعا فقرعة الزجاج. وبالمناسبة، غير بدّلوا محل الشوكولاتة، راه هناك محل جديد في كازا يعجبه».
وبقدر ما يتعود الوزير على هذه العناية، يترسخ لديه أن راحته أولوية تستحق التعبئة، وهكذا تتسع الخدمات لتشمل البيت والأسرة، ويأتيه من يعرض عليه حتى ما لم يطلبه بعد.
«السيد الوزير، شوف مع الوالدة إلا بغات تزور سيد النبي والمقام العزيز، مرحبا “
وفلانة لي مقترحتها عليك مديرة ديال التواصل والعلاقات العامة ،خالتها هي مدام فضيلة الكادي، وعندها داكشي ديال الفريع؛ شوف مع المدام إلا خصّها شي حاجة راها تدير معاها زوين .
والأخت اللي ما خدماش ، واخّا ما قراتش بزاف، نشوفوا ليها شي حل».
على أن هذه الامتيازات وغيرها من سفريات وفنادق وتعويضات وهمية لا تكفي من وحدها لاحتواء الوزير، بل تُعده فقط .ولا بد من (الكوش الثاني )اي المديح الذي يلازمه حتى يطمئن الوزير إلى أنه دائما على حق.

فما إن يعرض فكرة أولية حتى يتلقاها المحيطون به باعتبارها رؤية استراتيجية متكاملة، وما إن يطرح سؤالًا حتى يحوّلوه إلى توجيه. وإذا سبق موقفه الاطلاع على الملف، بحثوا عمّا يسنده، وانشغلوا بتفسير ما قصده بدل مناقشة الوقائع المعروضة عليه.
أما الموظف المهني الذي يناقش ، فقد ينتظره بعد الاجتماع من ينصحه بودّ قائلا «ملاحظاتك صحيحة، ولكن خاصّك تعرف كيفاش تهضر مع السيد الوزير».
وهكذا يغدو رضا الوزير معيارا لقيمة الكلام، حتى يستقر في ذهنه أن حضوره يكفي لحسم ما اختلف فيه المختصون، مع أن التعيين يمنح الوزير سلطة القرار ولا يضيف، شيئا إلى معرفته. فالخبرة لا تتضاعف صباح دخول الوزارة.

وبذلك فالوزير يحتاج إلى معرفة المهنيين ليحسن استعمال سلطته، مثلما يحتاجون هم إلى قراره لتحويل معرفتهم إلى عمل.
غير أن البطانة الفاسدة تنفخ في أناه حتى يستثقل السؤال ويأنف المراجعة، وكلما وجدت موظفا مستقلا وصفته البطانة الفاسدة بالروفيكس . وبذلك يخلو المحيط ويملأه البارعون في الموافقة.
وقد تبلغ بالحاشية الجرأة أن تصبح توزع التعليمات باسم الوزير مستفيدة من تعذر الوصول إليه للتحقق منها، ولذلك يزعجها اتصاله المباشر بأصحاب الملفات، لأنه يهدد نفوذها ويكشف ما تحجبه عنه.
ويروي ابن كثير أن أبا العتاهية أنشد هارون الرشيد شعرا يذكّره بزوال النعيم فبكى، هارون فعاتبه الفضل بن يحيى لأنه أحزن الخليفة، غير أن الرشيد قال له «دعه؛ فإنه رآنا في عمى فكَرهَ أن يزيدنا عمى».
ولعل الوزير أحوج إلى من يوقظه بكلام يزعجه منه إلى حاجة من يطمئنه بمديح يضلله.
ويبقى الوزير هو المسؤول الوحيد عن اختيار بطانته ، وعن المكانة التي يمنحها للمتملق ويحرم منها صاحب الرأي، إذ يبني بيديه جدار عزلته حين يحيط نفسه بصغار العقول، ثم تزيده الخدمات والتجاوزات المشتركة ارتهانا لهم.
وقد تكشف نهاية المهمة عند المغادرة ما أخفاه المحيط لسنوات ،كما حدث حين رفض امس الموظفون بإحدى الوزارات الكبرى المشاركة في تكريم الوزير المغادر وامتنعوا عن الحضور.

وبصرف النظر عن تقييم تجربته، فإن الواقعة تذكّر القادمين الجدد بأن المديح داخل المكتب قد لا يعكس مشاعر الموظفين خارجه.
ولذلك يظل اختيار البطانة امتحانا لرئيسة الحكومة الجديدة ولكل وزير جديد .
اما الدعاء بالبطانة الصالحة الذي نردده بمساجدنا يبقى حكمة كبيرة تختزل التاريخ.
السيد الوزير، بين ما يقال وما لا يقال، إذا خرج الجميع من اجتماعك وهم يؤكدون أنك على صواب ،فعليك ان تراجع اما القرار الذي اتخذته، او الأشخاص الذين اخترتهم.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*