العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تدعو إلى الانتقال من منطق استهداف الفقراء إلى بناء سياسة عمومية تضمن الحقوق

بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على الفقر، تجدد العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تأكيدها على أن التحدي الحقوقي لم يعد يقتصر على قياس عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت عتبة الفقر، وإنما يمتد إلى مساءلة الشروط التي تنتج الحرمان، والآليات التي تعيد تكريسه، ومدى قدرة المؤسسات على ضمان الحقوق الأساسية بصورة فعلية ومنصفة.

وتكتسب هذه المناسبة، التي يحتفل بها المجتمع الدولي خلال كل 15 أكتوبر من كل سنة، دلالة خاصة بالنظر إلى كونها تزامنت مع تعيين الحكومة الجديدة، وانعقاد المجلس الوزاري اليوم لتحديد التوجهات العامة لقانون مالية 2027 ، ولانكباب الحكومة على صياغة برنامجها وتصريحها الحكومي، وتتجلى دلالتها الخاصة كذلك في بعدها الدولي، في تركيز الأمم المتحدة هذه السنة على موضوع «سكن آمن للجميع»، ضمن شعار السنوات 2026–2028: «متحدون من أجل السلام وحقوق الإنسان». وقد نبه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في رسالته بهذه المناسبة، إلى أن الفقر يمس الكرامة الإنسانية وينكر حقوق الإنسان، وأن انعدام أمن السكن وارتفاع تكاليفه وعدم استقرار الحيازة والتشرد قد تدفع الأشخاص إلى دوامة أعمق من الفقر، بما يترتب عن ذلك من آثار ممتدة على الصحة والتعليم والعمل والمساواة. كما تشير معطيات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 2.8 مليار شخص في العالم يواجهون شكلاً من أشكال القصور في ظروف السكن.

وإذ تعتبر العصبة أن هذه الرسالة تفرض توسيع النقاش الحقوقي حول الفقر في المغرب، بحيث لا ينحصر في برامج الدعم الاجتماعي أو في المؤشرات الإجمالية للنمو، بل يشمل الحق في السكن اللائق باعتباره مدخلاً مترابطاً مع الحق في الصحة والتعليم والعمل والحياة الأسرية والأمان.

فهي تؤكد على أن المسكن غير اللائق، أو السكن الذي يستنزف جزءاً غير متناسب من دخل الأسرة، أو الذي يفتقر إلى الماء والتطهير والتجهيزات الأساسية، لا يمثل فقط اختلالا في ظروف العيش؛ بل قد يكون نقطة انطلاق لسلسلة من الحرمان المتراكم الذي يحد من فرص الأطفال في التعلم، ويعرض الأسر لمخاطر صحية واجتماعية، ويضعف استقلالية النساء، ويعمق التفاوتات بين المجالات والفئات.

إن ما تكشف عنه المؤشرات الرسمية من اختلالات لا يجوز أن يحجبها، تؤكد استمرار مظاهر الفقر وأسبابه ونتائجه. ففي سنة 2024، ظل 72% من الأشخاص المصنفين ضمن الفقر متعدد الأبعاد يعيشون في الوسط القروي، وبلغ معدل الفقر متعدد الأبعاد فيه 13.1%، مقابل 3% في الوسط الحضري؛ أي إن المعدل القروي تجاوز نظيره الحضري بأكثر من أربع مرات. وإلى جانب ذلك، ظل نحو ثلاثة ملايين شخص في وضعية هشاشة إزاء الفقر متعدد الأبعاد، يمثل سكان الوسط القروي 82% منهم. كما سجلت جهة بني ملال–خنيفرة معدل فقر متعدد الأبعاد بلغ 9.8%، مقابل 6.8% على المستوى الوطني.

 

ولا ينبغي قراءة هذه الأرقام باعتبارها معطيات إحصائية محايدة فحسب؛ فهي تكشف أن التمتع بالحقوق لا يزال يتأثر بقوة بمكان الإقامة وبمدى توافر البنيات الأساسية والخدمات العمومية. كما تكشف أن الخروج من الفقر لا يعني بالضرورة التحرر من الهشاشة، وأن الأسر التي تحسنت أوضاعها قد تظل معرضة للعودة إلى الحرمان بفعل فقدان العمل، أو المرض، أو ارتفاع تكاليف السكن، أو تراجع الموارد، أو الصدمات المناخية والاقتصادية.

 

ومن هنا، تشدد العصبة على ضرورة التمييز بين التراجع الإحصائي للفقر، والتراجع الفعلي لأسباب إنتاجه وإعادة إنتاجه. فالمؤشرات الإجمالية ضرورية لقياس التقدم، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم مدى إعمال الحقوق. كما أن مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد المذكورة لا ينبغي الخلط بينها وبين معدلات الفقر النقدي، لاختلاف المفاهيم والمناهج والسنوات المرجعية. فالتقييم الحقوقي المتكامل يقتضي الجمع بين الدخل والاستهلاك، وجودة السكن، والولوج إلى الصحة والتعليم والماء والتطهير والنقل، واستقرار الشغل، ومدى كفاية الحماية الاجتماعية، مع تفكيك المعطيات بحسب الجنس والسن والإعاقة والمجال الترابي.

 

وتنطلق العصبة، في هذا الصدد، من المرجعية الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يقر في مادته 25 الحق في مستوى معيشي كافٍ، بما يشمل الغذاء والملبس والمسكن والعناية الطبية والخدمات الاجتماعية الضرورية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يلزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإعمال الحقوق الواردة فيه، وفي مقدمتها الحق في مستوى معيشي كافٍ والحق في السكن الملائم. كما تستحضر الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالقضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان، والهدف الحادي عشر المتعلق بجعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة.

 

وتؤكد العصبة أن المقاربة الحقوقية تقيس السياسات الاجتماعية بمدى احترامها لمبادئ المساواة وعدم التمييز، والإنصاف في توزيع المنافع والأعباء، والمشاركة الفعلية للأشخاص المعنيين، والشفافية، وإمكانية مساءلة المؤسسات عن النتائج.

وانطلاقاً من هذه القراءة، تدعو العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى الانتقال من منطق استهداف الفقراء إلى بناء سياسة عمومية تضمن الحقوق وتمنع إنتاج الفقر، وذلك من خلال المحاور التالية:

أولاً: إقرار ميزانية عمومية من منظور حقوق الإنسان.

تدعو العصبة إلى إخضاع السياسات الميزانياتية لتقييم دوري يقيس أثر الاختيارات المالية والجبائية على الفئات الأكثر هشاشة، ومدى مساهمتها في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. كما تدعو إلى تعزيز الإنصاف الجبائي، ومكافحة الفساد والريع والاحتكار، وتوجيه الموارد نحو الخدمات الأساسية والبنيات التحتية الاجتماعية، مع نشر معطيات تسمح للمواطنات والمواطنين بتتبع الالتزامات والإنجازات.

 

ثانياً: جعل الحق في السكن اللائق مدخلاً مركزياً للقضاء على الفقر.

 

لا يكفي توفير وحدات سكنية دون ضمان شروط العيش الكريم؛ إذ يتعين ربط سياسات السكن بالقدرة الفعلية للأسر على تحمل تكاليفه، وبالولوج إلى الماء والتطهير والنقل والمدارس والمرافق الصحية وفرص العمل. وتدعو العصبة إلى تعزيز الوقاية من التشرد والإقصاء السكني، وحماية الأسر المهددة بفقدان مساكنها، وتحسين ظروف السكن غير اللائق، مع مراعاة الضمانات القانونية والحقوقية في جميع التدخلات.

 

ثالثاً: اعتماد مقاربة ترابية ملزمة في توزيع الخدمات والاستثمارات الاجتماعية.

 

إن استمرار الفجوة بين الوسطين القروي والحضري يقتضي توجيه الموارد وفق خريطة الحرمان الفعلي، لا وفق التوزيع الإداري أو الاعتبارات الظرفية وحدها. وتدعو العصبة إلى تحديد أهداف قابلة للقياس على مستوى الجهات والأقاليم والجماعات، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي تعاني ضعف الولوج إلى التعليم والصحة والسكن اللائق والماء والتطهير والنقل، ونشر حصيلة سنوية بشأن مدى تقليص هذه الفجوات.

 

رابعاً: الانتقال من الحماية الاجتماعية بوصفها تعويضاً عن الهشاشة إلى الحماية الاجتماعية باعتبارها ضمانة للكرامة والاستقلالية.

 

ويتطلب ذلك ضمان فعالية الاستهداف، وتيسير الولوج إلى برامج الدعم، والحد من الإقصاء الناتج عن التعقيد الإداري أو ضعف المعلومات، وتعزيز حماية العاملات والعمال في القطاعات غير المهيكلة، وتطوير آليات الاستجابة للصدمات الاقتصادية والمناخية والصحية، بما يمنع انزلاق الأسر إلى الفقر كلما فقدت مورداً أو واجهت كلفة استثنائية.

 

خامساً: إعمال الحق في الشغل اللائق باعتباره ركيزة للوقاية من الفقر.

 

فوجود العمل لا يعني بالضرورة الخروج من الحرمان، ما لم يكن العمل مستقراً ومحترماً للحقوق ومؤمناً لدخل منصف. لذلك تدعو العصبة إلى تعزيز الحماية القانونية والاجتماعية للعاملات والعمال، ومواجهة الهشاشة المهنية، وتوسيع فرص الإدماج الاقتصادي للشباب والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة، وضمان ألا تتحول ظروف العمل إلى مصدر لإعادة إنتاج الفقر.

 

سادساً: إرساء آلية وطنية للرصد والمساءلة بشأن الفقر والحرمان.

 

تقترح العصبة تطوير لوحة مؤشرات حقوقية دورية تجمع بين الفقر النقدي ومتعدد الأبعاد، والولوج إلى السكن والصحة والتعليم والماء والتطهير والشغل والحماية الاجتماعية، وتفصل النتائج بحسب الجنس والسن والإعاقة والوسط الترابي. وينبغي أن ترتبط هذه المؤشرات بأهداف معلنة وآجال محددة، وتقارير عمومية منتظمة، وتقييم مستقل، وآليات لتلقي شكاوى الأشخاص المتضررين من الإقصاء أو عدم الولوج إلى الخدمات والبرامج الاجتماعية.

 

سابعاً: ضمان المشاركة الفعلية للأشخاص الذين يعيشون الفقر في صنع القرارات.

 

تدعو العصبة إلى تجاوز الاستشارة الشكلية نحو إشراك الفئات المعنية في تحديد الأولويات وتصميم البرامج وتتبع تنفيذها وتقييم آثارها. فالمعرفة التي يمتلكها الأشخاص حول تجارب الحرمان والعوائق الإدارية والاجتماعية التي يواجهونها ينبغي أن تتحول إلى عنصر أساسي في بناء السياسات، انسجاماً مع التوجه الأممي الذي يجعل مشاركة الأشخاص المتأثرين بالفقر جزءاً من الحل، لا مجرد موضوع له.

 

إن هذه التدابير وغيرها من مطالب سبق للعصبة أن دونتها في تقاريرها وبياناتها وسبق أيضا لمنظمات حقوقية وطنية أن أشارت إليها، ينبغي أن تندرج ضمن برنامج وطني ذي أهداف مرحلية واضحة، يحدد المسؤوليات والموارد وآجال التنفيذ، ويخضع للتقييم والمساءلة، مع ضمان التنسيق بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسكنية والبيئية.

 

إن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي تخلد هذه المناسبة، تعتبر أن الاختبار الحقيقي للعدالة الاجتماعية يتمثل في نسبة الأشخاص الذين غادروا عتبة الفقر، وفي عدد الذين لم يعودوا مهددين بالسقوط فيه، وفي مدى قدرتهم على الحصول على سكن لائق، وتعليم جيد، وعلاج مناسب، وعمل كريم، وخدمات أساسية دون أن يضطروا إلى الاختيار بين حاجات لا غنى عنها.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*