الدولة المغربية هي الضمير العام الذي يحمي الأمة من الشعبوية والعنترية.
كتبها: سعيد الكحل.
إن الجدل المحتدم في المغرب حول العلاقات المغربية-الإسرائيلية يكشف عن صراع فلسفي أعمق من مجرد موقف سياسي ظرفي.
إنه صراع بين مفهومين للدولة: مفهوم إيديولوجي عاطفي يختزل الدولة في أداة لتنفيذ الشعارات، ومفهوم عقلاني مؤسساتي يرى فيها الضمير الموضوعي للأمة وحارس مصالحها العليا.
ولعل استحضار المفهوم الهيغلي للدولة بكونها التجلي الأسمى للروح الموضوعي والضمير الجماعي للأمة، سيفيد في فهم الدولة المغربية وارتقاها فوق الضمائر الفردية الذاتية، المتقلبة والعاطفية، لتحوِّل الأخلاق من شعور داخلي إلى عقل مؤسساتي يحسب المصالح والمفاسد بمنطق التاريخ لا بمنطق اللحظة.
وهذا بالضبط ما يميز الدولة المغربية عن القوى الحزبية والشعبوية التي تطالب بقطع العلاقات مع إسرائيل.
الضمير الذاتي والضمير الموضوعي.
إن القوى الإسلاموية واليسارية المتطرفة المناهضة للتطبيع تتحرك من منطلق “الضمير الذاتي” بمعناه الهيغلي الأدنى: ضمير أخلاقوي، عاطفي، دعوي، يبني مواقفه على الشعارات والمزايدة الأيديولوجية.
إنه ضمير يرى العالم بالأبيض والأسود، ولا يضع في حسابه موازين القوى ولا المصالح العليا للوطن.
إنه يطالب الدولة بأن تعرّض أمنها القومي للخطر إرضاء لخطاب تعبوي ظرفي، عاطفي وشعبوي.
ومن ثم فإن المناهضين “للتطبيع” يمارسون “أخلاق القناعة” بمفهوم ماكس فيبر: يصرخون بقطع العلاقات لتبرئة ذمتهم الأخلاقية، دون أن يجيبوا عن سؤال بسيط: ماذا بعد القطع؟ من سيعوض المغرب عن الخسارة الدبلوماسية والأمنية والتكنولوجية؟ من سيضمن استمرار الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء إذا انسحب المغرب من الاتفاق الثلاثي؟ وهل إلغاء التطبيع سيحرر فلسطين؟
أما الدولة المغربية، فتتصرف كـ “ضمير عام موضوعي”.
إنها الوعاء الذي يجمع ذاكرة قرون من الوجود والكينونة، وتعي تماما هرمية الأولويات.
فهي تدرك جيدا أن ملف الصحراء المغربية، قضية وجود، لم يُحسم نهائيا بعد، وأن المعركة الدبلوماسية لا تزال في أوجها. وتدرك أن التفريط في التحالفات التي تدعم هذا الملف، وعلى رأسها التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، هو انتحار سياسي لا يمكن لدولة عاقلة أن تقدم عليه، بل يتطلب براغماتية استراتيجية وليس عنتريات فارغة.
إن الدولة المغربية، بوعيها التاريخي، تعلم أن قطع العلاقات مع إسرائيل لن يحرر شبرا من فلسطين، ولكنه سيحرر خصوم المغرب من الضغط النفسي الأخلاقوي، وسيفقد المغرب أوراقا تفاوضية ودفاعية وأمنية وتكنولوجية حيوية؛ بل سيعزل المغرب في لحظة هو في أمس الحاجة فيها إلى كل حليف.
فالدولة تعلم أن المصالح العليا للأمة لا تدار بالعواطف في منصات التواصل الاجتماعي، بل بمنطق الحكمة والعقل الرصين.
لهذا فالدولة المغربية، بمَلِكها ومؤسساتها السيادية، لم تساير مطالب الإسلامويين واليساريين المتطرفين، لأنها تدرك أن وظيفتها ليست إرضاء الشارع، بل حماية الشارع حتى من نفسه. وظيفتها أن تكون الضمير العام الذي يحمي الأمة من نزوات الضمائر الخاصة.
فهي تدرك جيدا أن العدو الحقيقي للمغرب ليس إسرائيل، بل هو المشروع الانفصالي الذي يهدد وحدته الترابية.
وهي بهذا تحدد بوضوح من هو العدو الوجودي ومن هو الحليف الداعم لوحدتها الترابية، بينما القوى الشعبوية تجعل غزة قبل تازة؛ بل مستعدة للتضحية بتازة من أجل غزة.
من هنا يمكن القول إن رفض الدولة المغربية لمطالب قطع العلاقات ليس “تطبيعا” بالمعنى الابتذالي، بل هو تطبيق لنظرية “الدولة كعقل وضمير موضوعي” للأسباب التالية:
1 ـ الدولة تدرك أن النظام الدولي لا يدار بالشعارات، بل بتبادل المصالح.
والمغرب، الذي لم يُغلق بعد ملف صحرائه نهائيا في الأمم المتحدة، في حاجة ماسة لدعم واشنطن وتل أبيب كقوة ضغط داخل الكونغرس ومراكز القرار.
2 ـ الدولة تدرك أن الأمن القومي منظومة متكاملة: أمن حدود، وأمن غذائي، وأمن تكنولوجي وسيبراني. والتعاون مع إسرائيل في هذه المجالات هو جزء من تحصين الضمير الجماعي للأمة.
3 ـ الدولة وحدها تملك المعلومة السيادية الكاملة التي لا يملكها زعيم حزب أو ناشط فيسبوكي.
إن الدولة المغربية، بتمسكها بالاتفاق الثلاثي، لا تخون فلسطين وهي التي تقدم من الدعم المالي والدبلوماسي للفلسطينيين ما لم تقدمه دولة أخرى (تتحمل لوحدها تمويل صندوق بيت المقدس وتدعم صمود المقدسيين)؛ بل إنها تحمي المغرب من الغوغائيين والشعبويين والانفصاليين ومن حملة المشاريع التخريبية والانقلابية. وهي بذلك تنتقل من دولة تتعرض للابتزاز العاطفي إلى دولة تمارس سيادتها كضمير عام موضوعي.
لقد أثبتت الدولة أنها أكبر من الأحزاب وأوعى من الشعارات.
فبينما يفكر المناهض للتطبيع في مقعد انتخابي أو في تعبئة مسيرة، تفكر الدولة في خريطة الوطن كاملة، من طنجة إلى الكويرة، وفي أمن الأجيال القادمة.
وهذا هو جوهر الفكر الهيغلي: الحرية الحقيقية ليست في أن تفعل ما تمليه عليك عاطفتك، بل في أن تخضع لعقلانية الدولة لأنها هي التي تضمن بقاءك.
