قراءة في تطور حضور المجتمع المدني في التسميات الحكومية المغربية في ظل دستور 2011: بين التثبيت والتغييب  

قراءة في تطور حضور المجتمع المدني في التسميات الحكومية المغربية في ظل دستور 2011: بين التثبيت والتغييب  

بقلم : سعيد بلفقيه

رئيس مركز مسار للأبحاث والدراسات وتحليل السياسات

لا يختلف إثنان حول جوهرية  المكانة التي بات يحظى بها المجتمع المدني كفاعل أساسي في التدبير العمومي الحديث، إذ يشكل حلقة وصل بين الدولة والمواطن، ويساهم في التعبير عن الحاجات الملحة، ورصد المشكلات الاجتماعية، والمطالبة بالحقوق، والمشاركة في إعداد السياسات العمومية وتقييمها.

كما يلعب دورًا مهمًا في تعزيز الشفافية، والرقابة على أداء الجهاز التنفيذي، وتعميق الممارسة الخاصة بالديمقراطية التشاركية.

ولا يقتصر حضور المجتمع المدني على العمل الميداني والجمعوي، بل يتجلى أيضًا في البنية المؤسسية للدولة، ومنها التسميات الحكومية.

فحين تُدرج عبارة “المجتمع المدني” في مسمى وزارة أو وزارة منتدبة، فإن ذلك يعكس اعترافًا رسميًا بدوره كشريك في الحوكمة والتدبير العمومي، وليس مجرد متلقٍ للدعم أو منظم للأنشطة الاجتماعية.

كما أن حضوره في التسمية الحكومية يمنح ملف العلاقة مع الجمعيات والمنظمات المدنية وضوحًا مؤسسيًا، ويجعل من المشاركة المجتمعية جزءًا من بنية الحكومة ومسؤولياتها المباشرة.

وتكتسي مقاربة حضور المجتمع المدني في التسميات الحكومية أهمية بالغة منذ إقرار دستور 2011، الذي كرّس مكانة جديدة لهذا المكون المجتمعي ضمن المنظومة المؤسسية للمملكة المغربية.

فقد نصّ الفصل الثاني عشر من الدستور على حرية تأسيس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وممارسة أنشطتها، كما أقرّ بمساهمتها، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وفي تفعيلها وتقييمها وتقييم نتائجها.

كما ألزم الدستور المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية بتنظيم آليات هذه المشاركة وفق شروط وكيفيات يحددها القانون.

وفي هذا الإطار، يشكّل تتبع حضور المجتمع المدني في التسميات الحكومية مؤشرًا دلاليًا على مدى ترجمة المبادئ الدستورية إلى ممارسة حكومية فعلية.

فالتسمية الوزارية لا تُعدّ تفصيلًا شكليًا فحسب، بل تعكس أيضًا التصور الذي تتبناه الحكومة تجاه المجتمع المدني : هل يُعتبر شريكًا مؤسسيًا في الحوكمة والتدبير العمومي، أم تُنظّم العلاقة معه ضمن آليات قطاعية أو إدارية دون أن يحظى بحقيبة صريحة في بنية الحكومة؟

وانطلاقًا من هذه الاستشكال، يركز هذا المقال على دراسة مدى حضور المجتمع المدني في تسميات أربع حكومات متعاقبة منذ سنة 2011، وهي: حكومة عبد الإله بنكيران، وحكومة سعد الدين العثماني، وحكومة عزيز أخنوش، وحكومة فاطمة الزهراء المنصوري.

وذلك اعتبارا لكونها جاءت بعد اعتماد دستور 2011 الذي ارتقى بالمجتمع المدني إلى مرتبة شريك حقيقي في هندسة التدبير العمومي من بوابة الديمقراطية التشاركية أو المشاركة الديمقراطية بصلاحيات جديدة وأقوى في علاقته بدورة صناعة القرار العمومي مقارنة بدساتير ما قبل 2011.

وبذلك، لا يركز هذا التناول على مجرد رصد التغيرات في المسميات الحكومية، بل يسعى إلى فهم مدى التزام الحكومات المغربية المتعاقبة بترجمة المكانة الدستورية التي كرّسها دستور 2011 للمجتمع المدني إلى بنية مؤسسية وممارسة تدبيرية فعالة.

ومن خلال هذه الخطاطة، يبرز التباين في موقعة المجتمع المدني في هيكلة الحكومات الأربعة المتعاقبة :

  1. حكومة عبد الإله بنكيران: (2012–2016)  وزارة مستقلة مكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني؛ حضور أقوى إسميًا ومؤسساتيًا.
  2. حكومة سعد الدين العثماني : (2017–2021)  وزير منتدب مكلف بالبرلمان والمجتمع المدني والناطق الرسمي أي ربطه بملف التواصل الحكومي بحضور واضح لكن أقل استقلالية.
  3. عزيز أخنوش : (2021–2024) غياب تام للمجتمع المدني من التسمية الوزارية المخصصة للعلاقات المؤسساتية وتضمينه إداريا ضمن الوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان.
  4. حكومة فاطمة الزهراء المنصوري : (2026) وزيرة منتدبة مكلفة بالبرلمان والمجتمع المدني؛ عودة صريحة للمجتمع المدني دون ربطه هذه المرة بالناطق الرسمي باسم الحكومة، وهذا قد يعني فصلًا أوضح في العلاقة مع الفاعلين المدنيين والتواصل الرسمي للحكومة.

إذن، المجتمع المدني يعود للحضور في الحكومة المغربية الجديدة ضمن مسمى مشترك: “العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني”.

وهذا مؤشر على أن الدولة تعترف به كمكون مجتمعي ستتعامل معه كشريك في الحوار والرقابة وصياغة السياسات العمومية، وليس فقط كمتلقٍ للدعم أو منظم للأنشطة.

وفي هذا السياق، لا مناص من التوضيح أن المصطلح نفسه لا يضمن استقلالية المجتمع المدني أو فعالية مشاركته. فالسؤال الحقيقي هو: هل ستكون العلاقة شراكة وتشاور حقيقي، أم تسييرًا للجمعيات وتوجيهًا لها؟

فإضافة “المجتمع المدني” إلى المسمى في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري تمثل تحولًا مؤسساتيًا واضحًا: لم يعد الملف مقتصرًا على العلاقة مع البرلمان والتواصل الحكومي، بل صار المجتمع المدني طرفًا معترفًا به في بنية الحكومة، لأن المعطى الأهم هنا، هو أن الحكومة الجديدة ضمت 32 عضوًا، بينهم 11 وزيرًا منتدبًا، وأن ملف المجتمع المدني صار جزءًا من بنية الحكومة وليس مهمة هامشية أو ضمنية.

وقد تشير هذا التسمية إلى توجه نحو:

  • إشراك الجمعيات والمنظمات في إعداد وتقييم السياسات العمومية.
  • تعزيز الحوار حول قضايا مثل الحقوق، والتنمية المحلية، والشباب، والمرأة، والتعليم، والصحة، والبيئة.. وغيرها من مجالات تدخل مكونات المجتمع المدني.
  • تنظيم العلاقة بين الحكومة والفاعلين المدنيين عبر قنوات أكثر وضوحًا.
  • ربط المشاركة المجتمعية بالبرلمان، حيث تُناقش المقترحات وتتحول إلى قوانين أو برامج.

إجمالا، يمكن القول بأن المقارنة بين الحكومات الأربعة موضوع هذا التناول (حكومات عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، وعزيز أخنوش، وفاطمة الزهراء المنصوري) تُظهر أن حضور المجتمع المدني في التسميات الحكومية لم يكن ثابتًا، بل تأرجح بين التثبيت المؤسسي والتراجع الاسمي وإعادة الاعتراف به.

كما أن هذا التطور لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة الأحزاب المشكِّلة لكل حكومة.

فقد انقسم الفاعل الحكومي منذ اعتماد دستور 2011 إلى طرف يميل إلى إبراز المجتمع المدني كشريك في التدبير العمومي، بينما فضل طرف آخر تنظيم العلاقة معه ضمن آليات قطاعية أو إدارية، دون أن يظهر في التسمية الوزارية.

وبالرغم من أن الحضور في التسمية الحكومية يبقى مؤشرًا رمزيًا ومؤسساتيًا مهمًا، إلا أنه لا يكفي وحده لقياس فعالية المشاركة المجتمعية.

فالتحدي الحقيقي يتمثل اعتماد منهج تدبيري يقوم على تحويل هذا الاعتراف من الحضور الشكلي إلى ممارسة فعلية تقوم على تقوية الشراكة، والشفافية، والرقابة، وإشراك الجمعيات والمنظمات في إعداد السياسات العمومية وتقييم أثرها.

وبذلك، فإن عودة المجتمع المدني إلى تسمية حكومة المنصوري تمثل فرصة لاستكمال ترسيخ ثقافة التدبير التشاركي، شرط أن تترجم إلى آليات واضحة وتدابير حقيقية داخل البرنامج الحكومي.

فهذا التحول ليس تفصيلًا شكليًا فقط، بل مؤشر على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، ومدى إعطاء الأولوية للمشاركة، والحوار، والديمقراطية التشاركية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*